فهرس الكتاب

الصفحة 16 من 48

المطلب الثالث

العقل المجرد والعقل الشخصي

جميع ما تقدم ذكره من تعريف للعقل, وخلاف الناس فيه وترجيحنا للقول الثالث حول تحديد ماهيته ووظيفته وقدرته يختص بالعقل من حيث هو هو, فكل ذلك بيان عن جنس العقل الإنساني بغض النظر عن الشخص الذي يخلص به.

لكننا إذا رجحنا أن العقل هو غريزة الرؤية القلبية (أو الروحية أو النفسية) لمرئيات معنوية هي المعاني والحقائق, فإن هذه الغريزة تختلف قوتها وحدتها وكيفيات استعمالها باختلاف الأشخاص, ولها مثبطات وموانع ونواقض, وهي كثيرة, وشعبها وفروعها وأشكالها يصعب إحصاؤها. وأهم تلك المثبطات والمخبلات شهوات النفس وشبهاتها؛ وذلك أن القلب (وهو إما الروح ذاتها وإما جهاز رئيس فيها كما سبق) لا يقتصر فيما يستقبل على المعاني والحقائق, وإنما يرده واردات كثيرة من الوساوس والأوهام, كما أن المسلم يؤمن بما أخبر الله تعالى وأخبر رسوله صلى الله عليه وسلم من أعمال شياطين الجن والإنس.

وشهوات النفس كثيرة, ويكون لها وجود في جذور القلب قبل خروجها إلى الواقع على شكل قبائح ومعاص؛ وهذا مما يضعف الثقة في أحكام العقول الشخصية عندما تكون أحكامها لها ارتباط من نوع ما بتلك الشهوات والشبهات.

وفي المقابل فإن الرحمن قد جعل للإنسان طرقا لتطهير قلبه مما وعاه من الشرور, وطرقا لتقوية غريزة العقل في قلبه, تنطلق كلها من ساحة الإيمان به سبحانه والعلم بصفاته وأفعاله والذكر لعظمته وقدرته والالتزام بطاعته وعبادته. وهذه مضادات حيوية ومنصورة على تلك المخبلات المثبطات لغريزة العقل والمذهبات للحكمة. ومن يتحلى بها فهو جدير برؤية قلبية ثاقبة وحكمة بالغة, وهو الأحق بالاتباع في الاعتقاد والتفسير والتأصيل والتعامل مع نصوص الشرع ومعطياته. ولا يجادل عاقل منصف في أن نسبة هذا النوع من العلماء في سلفنا أكثر من نسبتها في هذا الخلف الذي نعيش بين ظهرانيه؛ ولذلك فإن العدل في القول وإقامة الشهادة لله عز وجل يقتضي أن نخطئ أقواما يحاولون سوق المسلمين بعيدا عن منهج أولئك العلماء؛ بحجة اختلاف الزمان, غافلين أو متغافلين عن حقيقة مفادها أن معطيات العقول السليمة المغروزة في قلوب صافية من الحكمة لا تفسد بمرور الزمان, ولا يضرها تقادمه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت