وهناك أمر آخر حقيق بأن يتفطن له في أحوال العقول الشخصية _وبعبارة أخرى غريزة الرؤية القلبية عند الأشخاص_ وهي أنها قد تقوى في مجال دون مجال, وتضعف كذلك في مجال دون آخر وسبب قوتها وضعفها كثرة أو قلة استعمالها في مجال دون آخر, وقوة أو ضعف الاستجابة لهديها, وحيازتها على ضروريات علم في مجال دون مجال آخر. فإن أراد صاحب غريزة العقل الذي حصل ضرورياتها ومتطلباتها في علم التربية أو النفس أو الفلسفة أو الاقتصاد أو الطب, وأكثر من استعمالها في أحد هذه المجالات العلمية حصلت له قوة في غريزة العقل عنده في ذلك المجال, وبقيت ضعيفة في المجال أو المجالات التي لم يحز على ضروريات علومها, وقل استعمالها فيها, فإذا أراد أن يستخدمها في المجال البعيد عن تخصصه معتمدا على بعض المعارف غير الكافية سقط في كثير من الأخطاء, وهذا من الحقائق العلمية المبرهنة والمشاهدة؛ حتى تجد الطبيب الماهر لا يقدر على بدهية من بدهيات العلوم الأخرى, وكذلك عالم الاقتصاد وعالم التريبة وعالم النفس؛ وسبب ذلك أن النفس عندما تريد (بغزيرة الإرادة) أن تحصل على علم جديد تستعمل غريزة التفكير فيها, وتقوم النفس بغريزة التذكر على استحضار العلوم التي استقرت في ذاكرتها (بغريزة الحفظ) , وتستحضر أيضا علوما من الخارج غالبا ما تتأثر النفس في تحديد نوعها وكيفية استحضارها بذلك المخزون الموجود في داخلها من العلوم أو غيرها من الأهواء والأوهام؛ فلا تكون مناسبة لما يراد الحصول عليه, ومخزونه الداخلي أيضا لا يكون مناسبا لهذا المراد؛ فتكون النتيجة الوقوع في الأخطاء العلمية, وأساس هذه الأخطاء هو عدم التناسب بين المطلوب والمستحضر من علوم الداخل والخارج, ولذلك نجد _مع شديد الأسف_ إخوة لنا يهجمون على الكلام في الشريعة ومقاصدها وتفسير النصوص واستنباط الأحكام, وتكون قلوبهم قد أشربت بعلوم دنيوية أتقنوها أو علموا ظاهرا من حقائقها؛ فظنوا أن ذلك يؤهل عقولهم للخوض في علوم الشريعة وحقائق الإسلام وأحكامه ومقاصده, وقد ينصبون أنفسهم منظرين في العلم والعمل, لكنهم عندما خاضوا فيما لم تستعد له قلوبهم ضلوا وأضلوا من حيث يشعرون ولا يشعرون؛ لأنهم غفلوا عن قواعد التفكير في مجال محدد من مجالات العلوم. حتى ظهر في هذا الزمان طوائف من الناس تمثل هذا الانحراف في منهج التفكير السليم واستعمال غريزة العقل؛ منها طائفة لبثت عمرا في بنوك الربا تعمل وتنظر لها, ثم رأوا أن ينشئوا بنوكًا ومؤسسات وشركات وصفت بالإسلامية, وقد يكون ذلك عن توبة