وقد اعتبروا العقل الغريزي هو العقل المشترط للتكليف؛ لأن التكليف يفترض في المكلف فهم الخطاب, وكيفيات الطاعة, واجتناب المعاصي, فإن عُدم أو نقص عن حده سقط التكليف عن الإنسان, ولا يكتمل عندهم إلا بعد سن التمييز, وهو سبع سنوات وما فوقها, واعتبر البلوغ علامة اكتماله عند عامة الناس.
وهذا العقل يعتبر الأصل. والنوع الثاني فرع له.
الثاني: العقل المكتسب: وهو مجموع ما يكتسب المرء من العلوم بالنظر والروية, وهو متفاوت عند الناس لتفاوت ما يكتسبونه من علوم دنيوية وأخروية كما ونوعا. وهذا العلم لا يشترط في التكليف, وإن اشترط بعض أنواعه لبعض الوظائف الشرعية كالاجتهاد والقضاء والإفتاء والإمامة الكبرى وغير ذلك من الوظائف الدنيوية والدينية.
وهو قول كثير من الأصوليين والفقهاء وعلماء الكلام, ومنهم أحمد بن حنبل والحارث المحاسبي وابن تيمية وابن القيم وأبو حامد الغزالي في بعض كتبه.
وهؤلاء يرون _كالاتجاه السابق_ أن العقل عَرَض من أعراض النفس الإنسانية, ولكنه ليس هو العلم؛ لأن العلم إنما ينشأ عنه. وإنما هو غريزة أو وصف أو قوة للنفس. وأقرب التعريفات التي تمثل هذا الاتجاه تعريفهم إياه بأنه (غريزة يتوصل بها إلى المعرفة) , وهو تعريف المحاسبي, ومثّله بالبصر, ومثّل العلم بالسراج؛ فمن لا بصر له لا ينتفع بالسراج, ومن له بصر بلا سراج لا يرى ما يحتاج إليه.
وقد انتزع الغزالي من كلام المحاسبي تعريفا فقال: (العقل هيئة وغريزة في جوهر الإنسان _روحه_ يتهيأ بها للانطباع بالمعقولات) .
والمقصود بالغريزة في التعريفين كيفية راسخة في روح الإنسان أو في جهاز من أجهزة روحه تتهيأ بها لإدراك الحقائق والمعاني, وحيازة العلوم والمعارف, إما بالانطباع المباشر فيها من غير حصول أية عملية من عمليات التفكير, وإما بالنظر وإجراء التفكير أو بعض عملياته؛ فالغريزة التي هي العقل ليست انطباع العلوم, ولكنها السبب الموصل