إليه, وليست هي التفكير أيضا, ولكن التفكير غريزة أخرى في الروح, لها مع غريزة العقل تعاون متبادل هدفه تحصيل العلوم.
وللروح غرائز أخرى مغروزة فيها بخلق الله تعالى, بالإضافة إلى غريزتي العقل والتفكير, منها الإرادة والنظر وحفظ المدركات وتذكرها (استدعاؤها) والتخيل والتصور والاستمتاع وعكسه. وقد يرى أن هذه وظائف تقوم بها الروح (النفس) ؛ وهذا صحيح, ولا يتعارض مع ما ذكرنا, لأن كل وظيفة في الروح الإنساني والبدن الإنساني تصدر عن غريزة في آلتها, كالسمع والبصر واللمس والشم والبطش والمشي والفهم والفقه والعقل (الذي هو فعل التعقل) , وغير ذلك من الوظائف الظاهرة لأعضاء البدن, أو الباطنة لأجهزة الروح؛ فلا تسمع أذن إلا بغريزة تسمع بها, ولا تبصر عين إلا بغريزة الإبصار, ولا يدرك قلب (روح) إلا بغريزة فيه هي غريزة العقل ... وهكذا.
وإذا كنا نعلم أن غرائز البدن الإنساني موزعة على أجهزته وأعضائه المدركة بالحس, فإنا لا نعلم إن كانت غرائز الروح موزعة على أجهزة لها غير مادية, أم تقوم بها الروح بتوحد من غير انقسام ولا توزيع؛ وهما احتمالان لا يمكن القطع بأحدهما, والله على كل شيء قدير. على أن مقتضى المعهود في الخلق المحسوس كما في الجسد أن توزع الوظائف المتباينة على أجهزة متباينة أيضا مع ملاحظة التفاعل والتعاون فيما بينها. ولكن الروح إن كانت كذلك فأجهزتها أجهزة روحانية لا تخضع لقوانين المادة ولا تقاس عليها في أعمالها.
وجميع غرائز الروح إرادية؛ بمعنى أن الروح بغريزة الإرادة التي فيها توجه غرائزها الأخرى, فتفكر الروح بإرادتها, وتنظر بإرادتها وتعقل بإرادتها ... وهكذا. وأما أعضاء الجسد فمنها ما هو خاضع للروح في إرادتها؛ فلا تعمل إلا بأوامرها, ومنها فطرية ولا تعمل بإرادة الروح. وكل ما كان فطريَّ العمل والنشاط, فليس للروح سلطان عليه, كنبض القلب المادي, وسريان الدم في العروق, وعمل الكبد والكلية ونحو ذلك. وحتى الصنف الأول من أعمال البدن إنما يخضع للإرادة الروحية في بعض أعماله دون بعض كنمو الخلايا وضعفها وموتها. وما كان فطريا في الجسد لا يخضع لإرادة الروح, فإنما خلق لخدمتها بصورة مباشرة أو غير مباشرة.
وغريزة العقل لها دور في غرائز الروح الأخرى, ولكن ليس على سبيل الإجبار, وإنما تستعملها الروح لقراءة وارداتها من الخارج أو من أوعيتها الداخلية, لإدراك الحق