وتمييزه عن الباطل؛ لتتخذ الروح بغريزة الإرادة قرارات العمل والسلوك, بناء على معطيات الغرائز الأخرى, وتحديد الأكثر أهمية أو الأكثر إمتاعا. وتضع بغريزة العقل خطط التنفيذ لتلك القرارات.
والاتجاه الثالث في بيان حقيقة العقل, وأنه غريزة في النفس الإنسانية تدرك بها المعاني والحقائق وتفهم بها الخطاب هو الاتجاه الأقرب إلى دلالة النصوص القرآنية, ويجدر بالباحث المسلم أن يرجحه؛ لأن العقل في فكر المسلم خلق من خلق الله عز وجل, والكيفية التي يعمل بها ذلك المخلوق أمر من أمر الله تعالى, وكلام الله عز وجل لا بد أن يكون متسقا مع حقائق مخلوقاته, وليس مجانبا لها.
وبيان رجحان الاتجاه الثالث أن الاستعمال القرآني المتعلق بالعقل جاء كله بصيغة الفعل, فاعله هو الإنسان دائما, وآلته هي القلب, من ذلك قوله تعالى: (أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها) الحج/ 46, فالذي يعقل بحسب هذه الآية, وكل آية ورد فيها فعل العقل, هو الإنسان, فالعقل فعله ووظيفته, وآلته في القيام بهذا الفعل وممارسة هذه الوظيفة هو القلب, والقلب في ذلك كالعين والأذن وسائر الأعضاء التي يستعملها الإنسان في أعماله الاختيارية, كما في قوله عز وجل: (ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها ... ) الأعراف/ 179؛ والعقل في هذا التمثيل كبصر العين وسمع الأذن. وعندما يختص عضو مادي أو غير مادي بفعل, ويكون ذلك من شأنه على سبيل الدوام لا بد أن يكون قد ركب في ذلك العضو غريزة تمكنه من القيام بذلك الفعل؛ فالعقل غريزة في القلب, والقلب إما هو جوهر الإنسان وروحه أو هو جهاز مركزي في روحه. ومغزى الكلام أن العقل غريزة في الإنسان كالإبصار والسمع. ولا يوجد في القرآن ما يشعر من قريب أو بعيد أن في الإنسان ذاتا مستقلة لا تقوم إلا بعمل واحد هو الإدراك. وجميع ما ذكر في القرآن من الألفاظ وفسرت بالعقل مثل قوله تعالى: (إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد) ق/37. وكذلك ألفاظ النُّهى والحجر واللُّب وغيرها, هذه الألفاظ استعملت استعمالا مجازيا وهو الكناية؛ حيث كُنّي بالمحل وهو القلب عن الحالّ, وهو العقل, والمعنى قلب ينهى صاحبه أو يحجره عن الرذائل, أو لبٌّ يذكر خالقه.