فإن قيل لماذا لا يكون القلب هو العقل, وقد فسر بذلك كما ورد عن ابن عباس. فالجواب أن القلب لو كان هو العقل الذي ليس له وظيفة إلا إدراك الحقائق والمعاني, لوجب أن لا ينسب إلى القلب غير الإدراك والتعقل, ولكن نسب إليه في القرآن وظائف أخرى, كالإرادة والتعمد والقسوة والخشوع والمرض, وعدم القدرة على التعقل, وكل ما ورد مدحه في القرآن من القلوب جاء موصوفا بصفة يحبها الله عز وجل, وقد ورد فيه ذم قلوب وعت الشر فاستحقت الذم, فلا يمكن أن يكون العقل الذي لا ينسب إليه في القرآن سوى إبصار الحق هو القلب الذي ينسب إليه الخير والشر.
ومن جهة أخرى نجد في القرآن العظيم إطلاق اسم الرؤية على كل من عمل القلب وعمل العين, كما في قوله تعالى (ما كذب الفؤاد ما رأى) النجم/11. وقوله عز وجل: (وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض) الأنعام/ 75, وقوله سبحانه: (ومن كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى وأضل سبيلا) الإسراء/72, وتوحيد الإطلاق على شيئين يشير إلى وجه شبه رئيسي بينهما؛ فالعين تبصر المرئي من المحسوسات بغريزة الإبصار, والقلب يبصر الحق بغريزة العقل.
وقد لاحظ ابن القيم هذا الاستعمال القرآني, فاختار أن العقل هو في حقيقته بصر القلب للحق.