فهرس الكتاب

الصفحة 4 من 48

تعقل عنه المأثم. وسمي الشيء الذي خُلق في الإنسان ليضبطه في أخلاقه وتصرفاته (عقلا) ؛ لما ذكره ابن فارس وغيره أنه يمنع صاحبه من الوقوع في ذميم القول والعمل. وهذا المعنى أشار إليه معظم أصحاب المعاجم اللغوية وغيرهم.

ويفهم من حاصل ما ذكروه أن الذي يسمى عقلا في الإنسان هو ما يحبسه عن الشر فعلا كان أو قولا. ولا يسمى (عقلا) ما يحبس الإنسان عن فعل الخير؛ ولذلك قال بعضهم: العقل ضد الحمق ونقيض الجهل, والحمق في أصل معناه الفساد والنقصان؛ فالإمساك المسمى عقلا عند أهل اللغة هو الإمساك عن الشر؛ وقد فسر بعضهم ذلك بأن الشر مستلذات البدن وملائمات الشهوة, وأما الخيرات فهي مشاق وتكاليف ومخالفات للهوى, فلا يُتصور الميل عن الأولى إلى الثانية إلا بعد معرفة أن الأول شرّ وفيه ضرر لصاحبه, وإن لاءم هواه, وأن الثاني خير فيه منفعة لصاحبه وإن خالف هواه؛ فالإمساك عن فعل الخير في حقيقته استرسال وانطلاق واستجابة لدواعي الهوى؛ فلا ينسب إلى العقل.

ومن هذا التحليل يعرف وجه المناسبة بين معان أخرى للعقل وبين الأصل الذي ذكره ابن فارس؛ كإطلاق العقل على الفهم والتدبر, وعلى العلم, أو على العلم بصفات الأشياء من حسنها وقبيحها وكمالها ونقصانها, أو على العلم بخير الخيرين وشر الشرين (كما ورد في القاموس المحيط) .

ويلاحظ أن الإطلاق اللغوي للعقل قد لوحظ فيه عند واضع اللغة آثاره في تصرفات الإنسان وأحواله, من إمساك عن القبائح والشرور, أو علم لحقائق الأمور أو فهم لها, أو هيئة محمودة للإنسان في حركاته وكلامه, وهذا هو المتوقع في منهج الوضع اللغوي إذا كانت المسميات من الأشياء الباطنة التي لا يوقف عليها بحس؛ حيث يلاحظ فيما يوضع لها من الألفاظ والأسماء آثارها الملموسة, أو ما تستلزمه هذه الآثار, ولا يلحظ فيها ماهياتها وحقائقها.

أما ما ورد في بعض كتب اللغة من إطلاقات للعقل على بعض الماهيات, كما في القاموس والمصباح, فأغلب الظن أن هذه الإطلاقات إنما تسربت إلى بعض أصحاب المعاجم من علماء الكلام والأصول والفلسفة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت