وهنا يأتي دور التخطيط للفعل أو الترك أو الانفعال الخارجي, فتصنع النفس خطتها للنشاط الخارجي مستعينة بغريزة أخرى هي غريزة التخيل, حيث تهتدي بهذه الغريزة إلى الأوضاع التي يمكن أن يكون عليها العمل, فيأتي دور العقل الذي يقوم بدور المستشار للنفس؛ فتدرك به الوضع المناسب لخطة العمل فتعزم وتنوي (بغريزة الإرادة) , وترسل إشارتها إلى الدماغ للتنفيذ, الذي يقوم بعمله ولا يملك أي خيار في رد ما تأمر به الروح, إلا أن يكون فيه علة تمنعه من الاستجابة, كتلف فيه أو في أجهزة البدن الأخرى, أو يحدث مانع خارجي يمنع من التنفيذ. وعلى أية حال فإن النفس يردها عن أوضاع التنفيذ في الخارج ما يقع فيه بالفعل, وذلك بوساطة الحواس الخمس؛ لترى بغريزة العقل مدى مطابقة التنفيذ الواقع لما سبق من الخطة المختارة داخل النفس؛ وهكذا يقف العقل في مرة ثالثة مدركا لأوضاع التنفيذ بعد وقوعه, ومشيرا على النفس إما بالإقرار والحفظ في خزانتها (ذاكرتها) , وإما بخطة جديدة وتنفيذ جديد.
ولا يقال: كيف ترسل النفس بإشارة إلى الدماغ إذا كان فيه تلف أو في بعض الأعضاء؟ والجواب أن النفس لا تدرك الأوضاع الداخلية التي يكون عليها البدن إن لم يكن ذلك عن طريق الحواس الظاهرة, ولو أن النفس كان لها مثل هذه القدرة لأدركت أحوال البدن والأعضاء, واستغنى الأطباء عن علم التشريح, ولما كان لهم أي دور في التشخيص, ولكان دورهم مقتصرا على البحث عن علاج مناسب.
وبما سبق يظهر بوضوح أن للعقل تدخلات في مجال الإرادة والتنفيذ قبلهما وبعدهما؛ والمقصود هنا هو تنفيذ النص الشرعي.