وفي القرآن آيات أخر تشير إلى أن هدى الله المضمون في النصوص الكريمة يصبح منوِّرا للقلوب التي استقبلته ووعته واستثبتته, حتى يكون كالمصباح في يد أصحابها ينير لهم الطريق, من ذلك قوله عز وجل: (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا برسوله يؤتكم كفلين من رحمته ويجعل لكم نورا تمشون به) الحديد/28. وقوله سبحانه: (أومن كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها) الأنعام/122. وقوله أيضا: (ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور) ابراهيم/40, وقوله: (أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه) الزمر/22, وقوله تعالى: (هو الذي ينزل على عبده آيات بينات ليخرجكم من الظلمات إلى النور) الحديد/9.
ذلك هو محتوى النص الشرعي نورٌ في ذاته قبل إدراكه, ليراه أولو البصائر, ومصباح بعد إدراكه ينير لمدركه الطريق ويهديه إلى صراط مستقيم.
وأما محتوى العقل فهو قوة إدراكية تجعل النفس قادرة على إبصار المعاني والحقائق. ولا نرجح ما ذهب إليه بعض العلماء من أن العقل نور مادي ولا معنوي؛ فليس في القرآن ولا صح في السنة وصف العقل بأنه نور؛ وإنما وصف به العلم الرباني كما سبق ذكره.
والذي تدل عليه مجموعات الآيات الكريمة المتعلقة بهذا الأمر أن النور المُوعَى في النصوص الشرعية إذا صار في وعاء النفس الإنسانية بوساطة التفكير والعقل والغرائز الأخرى ذات العلاقة, استفادت منه تلك النفس فاستعملته مصباحا يساعد غريزتها الإدراكية (العقل) على إبصار حقائق ومعان جديدة, فإذا دخلت هذه الأخرى إلى تلك النفس زادت قوة إبصارها (باستعمال العقل) , وزادت غريزة العقل قوة وحدة ونماء ... وهكذا.
ويشير إلى ذلك مُحصلة الفهم مما ذكرنا من الآيات السابقة وأمثالها؛ حيث دلت مجموعة منها, وهي المجموعة الأولى, على أن النصوص المشتملة على العلم الرباني منيرة في ذاتها؛ حتى قبل عقلها من قبل النفس. والمجموعة الثانية التي ذكرنا تلو الأولى تشير إلى أنها تغدو في النفس كالمصباح لها نورا يمشي به صاحبها في شعاب الحياة ممتلئا بالحكمة محصّنا من الضلال.
ومعنى ما تقدم أن غريزة العقل في الإنسان تقوى وتنمو وتستقيم بما تدركه من الحقائق؛ ولما كان النص الشرعي وعاء للحقائق الكبرى, كان التفكر في النصوص الشرعية (وكذلك في آيات الله المشهودة وبديع خلقه في السموات والأرض والإنسان) الغذاء