تصديقًا تامًا. فالتصور إذًا: إدراك الحقائق مجردة عن الأحكام [1] ، والتصديق إدراك نسبة حكمية بين الحقائق بالإيجاب أو السلب [2] .
فلو سئل الفقيه عن مسألة"زواج المسيار"مثلًا، فيحتاج حينئذ إلى تصور هذا العقد على ما هو عليه، وحصر صوره في الواقع، ورصد شروطه وآثاره العقدية، ولو فرضنا أنه أجرى على هذا العقد أحكام عقد الزواج النمطي، قبل أن يتصور حقيقته؛ لكان مخطئًا في بناء الحكم، مستحقًا للوم، وحينها يصدق عليه قول العلامة محمد بن الحسن الحجوي:"تهور قبل أن يتصور" [3] ، وعليه فالقاعدة أن الخطأ في التصور يُرتب خطأ في الحكم.
على أنه لا يشترط العلم بالواقعة من كل وجه، لكن المطلوب العلم بها بطريق الإجمال بحيث يصح إنزال الحكم عليها، وهو الحد الأدنى للتصور الجملي الصحيح [4] .
وهذا يحصل ـ في مجال المعاملات المالية ـ بذكر المعاملة المراد الحكم عليها، وبيان أطرافها، وذكر الثمن والمثمن، وآلية تنفيذها. والعادة أن الهيئة الشرعية للمصارف تتلقى هذه المعلومات والبيانات عن طريق الإدارة العليا للمصرف، أو من يقوم مقامها، وهذا محل مؤاخذة، من جهة ورود احتمال الإخلال بالتصور الصحيح، لأن المطلوب توفير أقصى
(1) وسمي التصديق تصديقًا لاشتماله على كلام يصدَّق أو يكذَّب، وسمي بأشرف لازمي الحكم بالنسبة، وإلا فقد يسمى تصديقًا وهو كذب، انظر: شرح الكوكب المنير (1/ 23) .
(2) المرجع السابق، التعريفات؛ للجرجاني (37) .
(3) هذا الوصف مستفادٌ من الشيخ محمد بن الحسن الحجوي لمن أفتى في عصرِه بأن الورق النقدي من جنس العُروض، فردَّ عليهم بأنها صكوك دَين، وقال فيهم:"هذا نشأَ عن عدم اعتناء أهل العلم بأحوال زمنهم، وتهوُّرهم في الأحكام قبل تصوُّرِهم"اهـ من رسالته: الأحكام الشرعية في الأوراق المالية، أو إثمد الآفاق بوجوب الزكاة من عين الأوراق، نشرها سعيد بنسعيد العلوي ضمن كتابه: الاجتهاد والتحديث، دراسة في أصول الفكر السلفي المغربي (170) ، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، ط ثانية، 1421 هـ.
(4) المحصول؛ لمحمد بن عمر بن الحسين، المعروف بالفخر الرازي (1/ 91) ، بتحقيق د. طه جابر العلواني، جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، الرياض، ط أولى، 1400 هـ، نفائس الأصول في شرح المحصول؛ لشهاب الدين أحمد بن إدريس القرافي (1/ 21 ـ 25) ، بتحقيق محمد عبد القادر عطا، دار الكتب العلمية، بيروت، ط أولى، 1421 هـ.