ودفع الضرر المستدام في مشروعية الطلاق [1] ، فهذه تجب مراعاتها في مواضعها من كل باب.
وإذا تعود الذهن على رعاية المقارنة بين الأدلة والمقاصد صار من يمارسها: فقيه النفس، وقد جعل أبو المعالي الجويني فقه النفس"هو الدستور" [2] في باب الاجتهاد والفتوى، أي: أنَّ شروط الفقيه راجعةٌ في الحقيقة إلى فقه النفس، وتابعه على ذلك جماعة من أهل الأصول [3] ، واشترطوا له الدربة والارتياض في استعمال الأدلة، مع الضبط لأمهات المسائل وتفاريعها المفروغ من تمهيدها فقهًا [4] .
قلت: فقه النفس إن لم يكن الإحاطة بمجامع الأدلة الكلية، ومعرفة مرادات الشارع العامة والخاصة من التشريع، مع التصرف في الأحكام تصرف الخبير؛ فلا معنى لاشتراطه إذن.
د ـ النقول الفقهية: وهي أقوال الفقهاء المتقدمين، كأئمة المذاهب الأربعة ونحوهم، والغرض من استحضار هذه النقول الاستئناس بها، والتخريج عليها عند الاقتضاء، فهذا ليس باستدلال أصلًا، بل سبيله: مقاربة الأدلة، وهو أنفع ما يكون حين تعوز الأدلة في الباب.
على أن من أوجه الوقوع في الزلل في البحث النوازلي، الأخذ بالأقوال الضعيفة والشاذة، المضادَّة لمقاصد الشريعة، والمخالفة لأدلتها، فإذا ما اختبرها الفقيه بمعيار الأدلة والمقاصد؛ تبين له وجه الصواب فيها، وانفرز الصحيح من الضعيف.
إنَّ قولًا من الأقوال التي تُعزى إلى إمامٍ من الأئمة، نصًا أو خريجًا، ربما كان راسخًا في الدلالة، مناسبًا لمقاصد الشريعة في عصرٍ من الأعصر السالفة، لكن
(1) مقاصد الشريعة العامة؛ لابن عاشور (307،306) ، وانظر: نظرية المقاصد عند الإمام الشاطبي؛ للريسوني (6) .
(2) البرهان (2/ 1333) .
(3) فتاوي ابن الصلاح (1/ 21) ، وقارن بالبحر الرائق؛ لابن نجيم (6/ 291) ، والمدخل؛ لابن بدران (376) .
(4) فتاوي ابن الصلاح (1/ 25) .