الاستدلال في الشريعة، وبذله الجهد في ذلك، بالإضافة إلى إحاطته بالواقع، فهذه معايير أربعة، وتفصيلها فيما يأتي:
وذلك بألا يتصدى الباحث لمسألة إلا إذا توفر على الآلة العلمية اللازمة لها، وإلا كان متكلفًا لما لم يحط به خبرًا، ولا ينعقد للباحث الاختصاص بالنظر في نازلة فقهية ما لم يستكمل الحد الأدنى من شرائط الاجتهاد الجزئي.
ثم إنه لا تكفي هنا مجرد الإحاطة بالفروع الفقهية، فإن البحث الفقهي صنعة فكرية، وكم من حافظٍ للفروع ما له في البحث من خلاق، وكم من فقيه مشهور في السلف؛ لم يؤلف في الفقه شيئًا ذا بال، ولم يقدح ذلك في علمه، وكم من فقيه ألف ولم يرتضِ الفقهاء كتابه، وقد ذكروا في طبقات الفقهاء نماذج لذلك، والعلوم مواهب، فسبحان واهبها.
الثاني: نظام الاستدلال:
فإن البحث الفقهي مبناه على الفهم الصحيح والاستدلال الموافق لمراد الشارع، وما لم يلتزم الباحث رعاية هذه الجادة فإنه يوشك أن يتصور خطأ، أو يتكلم بباطل، ويندرج تحت هذا المعيار مراعاة مراحل النظر الفقهي.
يدل لذلك قول الفاروق عمر في وصيته الشهيرة لأبي موسى ـ رضي الله عنهما ـ:"ثم الفهم الفهم فيما أدلي إليك، مما ليس في قرآن ولا سنة، ثم قايس الأمور عند ذلك، واعرف الأمثال والأشباه، ثم اعمد إلى أحبها إلى الله فيما ترى، وأشبهها بالحق" [1] اهـ.
(1) أخرجه الدارقطني في سننه (4/ 206) ، والبيهقي في سننه الكبرى (10/ 550) ، وقد طعن أبو محمد ابن حزم في إسناده، كما في المحلى (1/ 77) ، وقال ابن القيم:"وهذا كتاب جليل القدر، تلقاه العلماء بالقبول، والحاكم والمفتي أحوج شيء إليه، وإلى تأمله، والتفقه فيه"اهـ من: إعلام الموقعين (1/ 68) ، ومال الحافظ ابن حجر إلى تقوية أصل الرسالة، كما في التلخيص (4/ 473) .