ومن المعايير المهمة في تفسير النصوص الشرعية: رعاية مقاصد الألفاظ الشرعية، فإن الفقيه الثقة استحضار المعاني والمقاصد، دون الوقوف على أحرف الألفاظ والمباني وإهمال المقاصد والمعاني، فإنَّ"العارف يقول: ماذا أراد، واللفظي يقول: ماذا قال؟" [1] ، ومن ثم قال الإمام ابن عيينة:"الحديث مضلة إلا للفقهاء"اهـ.
ومما يلزم الباحث النوازلي مراعاته: القواعد والضوابط المقررة في علم القواعد الفقهية، وهذه لها أهميتها البالغة في ضبط النظر الفقهي في مرحلة التوصيف والتنزيل، ومن ثمَّ اشترط جمعٌ من الأصوليين في الفقيه المجتهد ملَكَةَ الاقتدار على استنباطِ أحكام الفروع المتجددة، التي لا نقل فيها عن صاحب المذهب، من الأصول التي مَهَدَها صاحب المذهب [2] .
على أنه يجب التنبه إلى أنه من الغلط اعتقاد اطراد القواعد الفقهية الاصطلاحية في جميع تطبيقاتها، فإن للقواعد استثناءات ومخصصات ومقيدات، ولعل باحثًا يغفل عن ذلك؛ فينزل القاعدة في مواضع الاستثناء والتخصيص.
ومن يتفحص القواعد التي اصطنعها الفقهاء يجد أنهم كانوا يتطلبون اختصار الجزئيات الكثيرة في ألفاظ مختصرة وجيزة، وأنهم لم ينشغلوا كثيرًا لدى الصياغة بمسألة الاطراد، ولم يقصدوا طردها في جميع مواردها، وإنما قصدوا صياغة قواعد منظمة لكثير من فروع الأبواب. فكانوا يقتصرون في ألفاظ القواعد على الحد الأدنى من الألفاظ، ويعبرون عن القاعدة بلفظين: موضوعٍ ومحمول، دون الإفاضة في الضوابط والمقيدات، تسهيلًا للحفظ، ويراعون في ألفاظها التنصيص على المدرك المؤثر.
(1) إعلام الموقعين؛ لابن القيم (1/ 281) .
(2) التمهيد؛ للإسنوي (515) .