كلما غاب التجديد توارى معه البحث العلمي المتجرد، وحضرت عوضًا منه النتائج الجاهزة، التي يتلقاها الآخر عن الأول عفوًا كما هي، دون جهد ذي بال في التأصيل والتدليل، أو التحقيق والتنزيل. وقد كان المجددون من أئمة الإسلام على مر الزمان يبدءون بتحرير أصول الأدلة، ومرادات الشارع، على ما أحكمته صناعة الفقه، مستضيئين بنور الوحي، مسترشدين بعمل السلف من فقهاء الصحابة وأئمة الفقهاء، ملتزمين في بحثهم بنظام الاستدلال، وأصوله الحاكمة على الأغراض المقولة في الفقه.
وقد درج المعاصرون على تخصيص مسار مستقل لبحث النوازل الفقهية، وصار البحث النوازلي له اسمه الخاص، وأفرد له حيز في المكتبة الفقهية المعاصرة، وهذه بحمد الله بادرة حسنة أن يعتني الناس بقراءة الواقع ووقائعه على هدي الوحي، وتأصيل مسائل الشريعة، وتأثيل قواعد الملة.
والمتأمل في تصريف حركة البحث الفقهي المعاصر لا تخطئ عينه ما ينوء به هذا الميدان من ضعف وقصور، وذلك راجع إلى أسباب عديدة، ومن مظاهر هذا القصور: التوثب على مراحل البحث النوازلي، واستعجال النتائج قبل اختمار التصور أو الاستدلال.
إن التناول العلمي الرشيد للنوازل هو الذي يستمدُّ مشروعيته من ردِّ الاعتبار لفقه الشريعة، ذلك الفقه الذي يتأسس على صحيح النصوص، وعريقِ الأصول، ومتين القواعد.
وهذه الورقة تناقش مراحل النظر في النازلة الفقهية تحديدًا، وتدل على أهم المناهل في أثناء تلك المراحل، ولهذا تحاشيت الاستطراد بالمقدمات والقَبْليات التي هي في متناول عموم الباحثين.
وتتلخص مشكلة البحث في وضع المعايير المحددة لجودة النظر الفقهي، ورسم النموذج النظري لدراسة النوازل، وتقسيم عملية البحث في النازلة الفقهية إلى مراحل متوالية زمنيًا،