درجات الاستقلالية للهيئة الشرعية، بحيث تتمكن من تصور الواقعة من جهة مستقلة عن الجهة المستفيدة من الفتوى، وهي هنا إدارة المصرف.
إن من ضمانات الفتوى المالية الجادة أن توسع الهيئات الشرعية مصادرها في الحصول على المعلومة، لتتعرف على طبيعة المنتج المقدم للدراسة، وأبعاد البيئة التي سيوظف فيها.
والتصوير: بيان حقيقة الشيء على ما هو عليه.
لا بد للفقيه ليتحقق له تصور النازلة من سلوك أحد طريقين: أولهما: أن يقف على النازلة بنفسه، وثانيهما: أن يتعرف عليها عبر وسيط.
الأول: أن يقف على النازلة بنفسه:
كان بعض الفقهاء لا يكتفي بالإحاطة بالنصوص والأصول الشرعية وعلوم الآلة، بل ينزل إلى الأسواق، ويقف على معاملات التجار بنفسه، وكان أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - يخالطون الناس، ويباشرون التجارة والكسب والجهاد، وكان محمد بن الحسن الشيباني يذهب إلى الصباغين ويسأل عن معاملاتهم [1] .
وكان شهاب الدين القرافي قد كتب عن الحشيشة التي يتعاطاها الفساق، ونقل الاتفاق على منعها، لكن حكى الخلاف في كونها مسكرة توجب الحد، أو مغيبة للعقل فتوجب التعزير، ثم قال:"وسألت جماعة ممن يعنيها، فاختلفوا على قولين؛ فمنهم من ..." [2] الخ، فهذا يبين عنايتهم بسؤال هل الخبرة فيما طريقه الخبرة.
(1) البحر الرائق؛ لابن نجيم (6/ 288) ، دار المعرفة، بيروت، شرح عقود رسم المفتي؛ لابن عابدين (2/ 128) .
(2) الفروق (1/ 216) ، وقد ذكر أيضًا في مقدمة الفروق (1/ 4) أنه مكث ثمان سنين يطلب الفرق بين الشهادة والرواية، ويسأل الفضلاء عنه، فلم يظفر به.