الصفحة 8 من 32

الثالث: استفراغ الوسع:

فإن بذل الجهد واستكداد الذهن في البحث في حكم النازلة شرط في صحة هذا العمل [1] ، والمطلوب من الفقيه بذل الجهد، لا إصابة الحق بذاته، فإن أصاب فله أجران، وإلا ذهب بالأجر الواحد، ونعما هو.

إن البحث النوازلي مرهق للذهن والجسم، والباحث ثمَّ يجري نظره في تدبيرٍ اجتهادي راشد، متحريًا في ذلك مراد الله تعالى، وليس صحيحًا أنه عبارة عن نتائج ناجزة على طرف الثمام، يقوم الباحث باقتطافها وهو مار، بل هو مجموعة من المقاربات والتبصرات، والمقارنات والترجيحات، ثم هو بعد ذلك قرار يتخذه الباحث بعد إضناء عقله بحثًا وفتشًا، مستندًا فيه إلى مقدمات متراكبة ونتائج متراتبة، بناها خلال بحثه.

الرابع: معرفة الواقع:

ذلك أن الفقه من العلوم العملية، لا النظرية، ولهذا جاء نعت الفقهاء في القرآن بوصف"النفير": {وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا كَآفَّةً فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ} [التوبة (122) ] ، وهذا يقتضي نوعين من الحركة: إحداهما: في دراسة النصوص والأدلة، والأخرى في التبصر بالواقع، لتنزيل الأحكام على الوقائع، وإذا اعتبرنا كون الواقع متجددًا، فليجدد الفقيه معرفته بالوقائع والنوازل كلما تجددت.

وقد استقر تعريف الفقه بعد القرن الرابع الهجري بأنه: معرفة الأحكام الشرعية العملية من أدلتها التفصيلية، فهو إذن علم عملي، يراعي طبيعة الواقع العملي المتحركة المتجددة. وقال ابن عابدين:"المفتي لا بد له من ضرب اجتهاد ومعرفة بأحوال الناس" [2] ، و"من لم يكن عالما بأهل زمانه فهو جاهل" [3] .

(1) المستصفى؛ للغزالي (342) ، الإحكام؛ للآمدي (4/ 169) .

(2) نشر العرف، مجموعة رسائل ابن عابدين (2/ 127) .

(3) نفسه (2/ 128) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت