الصفحة 24 من 32

لمَّا تغير العصر، واستجدَّت للناس أحوالٌ لم تكن قبلُ؛ عادَ القولُ به ضعيفًا، غريبًا على مقاصد الشريعة وأحكامها، لا ينتهض للأخذ به شرعًا، بحيث لو عُرِض على قائله من الأئمة لم يلتزم لوازمه، ولرجع عنه [1] .

والتخريج الفقهي يحتاج مهارة فقهية عالية، بحيث يتحاشى الباحث مسالك الرعونة والجمود في مطَّرد أحكامه، وينأى عن الإسقاطات التي لا تتسق مع طبيعة هذه الشريعة وسماحتها.

واعتبر ذلك في مسألة سعة الطريق إذا وقع فيها نزاعٌ بين المتجاورين، فقد كان الحكم فيما مضى أنهم إذا تشاجروا في سعة الطريق أن تجعل سبعة أذرع، لحديث أبي هريرة قال: © قضى النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا تشاجروا في الطريق بسبعة أذرع ® [2] ، وقد نصَّ الحنابلة على أن هذا القدر لا يغيَّر بعد وضعه [3] ، لكن لما كان ذلك معللًا بأن تسلكها الأحمالُ والأثقال دخولًا وخروجًا، ويسع ما لا بد لهم من طرحه عند الأبواب [4] ، وكان هذا مناسبًا لوسائل النقل القديمة من الدواب، فلما استجدَّ للناس هذه المركبات الحديثة، التي لا يسعها ما يسع تلك الدواب القديمة؛ أفتى المعاصرون بجواز التغيير وتوسعة الطريق مع تعويض أصحاب الأملاك، ولذا قال الشيخ محمد بن إبراهيم في بعض تقريراته على قول الحنابلة:"وإذا وقع في الطريق نزاعٌ فلها سبعة أذرع، ولا تغير بعد وضعها" [5] اهـ، قال الشيخ:"فيه نظرٌ آخر، إذا نُظر نظرٌ عموميٌّ الظاهر لا بأس بذلك، لمَّا وجدت السيارة، فإن فيها ضخامةً"

(1) انظر: إعلام الموقعين؛ لابن القيم (3/ 286) .

(2) أخرجه البخاري برقم (2341) (2/ 874) ، قال الطبري: معناه:"أن يُجعل قدر الريق المشتركة سبعة أذرع، ثم يبقى بعد ذلك لكلِّ واحدٍ من الشركاء في الأرض قدر ما ينتفع به، ولا يضرُّ غيره"اهـ، فتح الباري (5/ 119) .

(3) الفروع؛ لابن مفلح (4/ 418) ، الإنصاف؛ للمرداوي (6/ 361) ، شرح منتهى الإرادات؛ للبهوتي (2/ 367) .

(4) انظر: فتح الباري؛ لابن حجر (5/ 119) .

(5) كشاف القناع؛ للبهوتي (4/ 188) ، ونصه:" (ولو اختلفوا في الطريق وقت الإحياء جُعلت سبعة أذرع) للخبر (ولا تغيَّر) الطريق (بعد وضعها، وإن زادت على سبعة أذرع. لأنها للمسلمين) فلا يختصُّ أحدٌ منهم بشيءٍ منها"اهـ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت