الصفحة 16 من 32

لا تخلو النازلة المبحوثة من أحد احتمالين: فإما أن تكون مسألة مسماة على لسان الشرع أو الفقهاء، فهذه مسألة نمطية، وإما أن تكون من المسائل المستجدة، التي لم يعهد لها نظير في الشريعة ولا الفقه، وللباحث إزاء هذين الاحتمالين مسلكان:

أولهما: أن تكون من المسائل المسماة شرعًا أو فقهًا، ففي هذه الحال يكون توصيفها الفقهي بإلحاقها بما يماثلها شرعًا أو فقهًا، بعد تفقد شرائط الإلحاق، وهو ما يسمى بتخريج الفروع على الفروع، أي إلحاق الفروع الجديدة بما يماثلها من المسائل التي بحث المتقدمون أحكامها.

وهذا لا يعني بالضرورة التزام جدد التقليد في هذه الحال، بل المقصود إجراؤها مجرى سابقتها من حيث تسكينها في محلها من أبواب الفقه ومسائله، ومن حيث الوفاق والخلاف، مع ملاحظة الفروق التي تلم بأعطاف النازلة، فرب نازلة يظنها الباحث مسماة في الشريعة والحال أنها مستجدة، أو العكس.

على أنه ينتبه هنا إلى أن كثيرًا من مصنفات المتأخرين من الفقهاء قد توسعت في تخريج الفروع على الأصول حتى خرجت في مواضع منها عن مقاصد الأئمة وأقوالهم، وربما نسبت إليهم ما يصرحون بمنعه، وكان هذا التوسع محل انتقاد من عدد من محققي المذاهب الفقهية.

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية:"فالواجب على من شرح الله صدره للإسلام إدا بلغته مقالة ضعيفة عن بعض الأئمة أن لا يحكيها لمن يتقلد بها بل يسكت عن ذكرها إلى أن يتيقن صحتها وإلا توقف في قبولها فما أكثر ما يحكى عن الأئمة مالا حقيقة له وكثير من المسائل يخرجها بعض الأتباع على قاعدة متبوعة مع أن ذلك الإمام لو رأى أنها تقضي إلى ذلك لما التزمها والشاهد يرى ما لا يرى الغائب" [1] اهـ.

ثانيهما: أن تكون مسألة جديدة، لم يسبق لها ذكر بذاتها، لا في النصوص الشرعية، ولا في المصنفات الفقهية، وحينئذ يصدق عليها اسم: النازلة الفقهية، وفي هذه الحال يستأنف الفقيه لها نظرًا جديدًا، مراعيًا أصول الشريعة وقواعدها وأدلتها العامة، وهذا هو التكييف في اصطلاح بعض الباحثين.

(1) مجموع الفتاوي (6/ 92) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت