لقد أولى الفقه الإسلامي قضية فك أسر المسلم أهمية كبيرة وعناية خاصة، حتى إنها لتكاد ترقى إلى مستوى حفظ النفوس من الهتك وحصانتها من الإهدار، بل هي - لعمري - كذلك وأكثر، وذلك لتضمنها حفظ الدين، فإن استنقاذ الأسير هو حفظ لنفسه من القتل أو الإتلاف، وحفظ لدينه من الفتنة والارتداد، وقد قرر تعالى - في محكم تنزيله - أن الفتنة أكبر من القتل وأنها أدهى منه وأشد، حيث قال: {والفتنة أكبر من القتل} ، وقال تعالى: {والفتنة أشد من القتل} .
فهل سأل المسلم نفسه: ماذا يجب عليه حيال أخيه المسلم يقع في أسر العدو؟
أورد البخاري في صحيحه - تحت عنوان"باب فكاك الأسير": عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (فكوا العاني - الأسير - وأطعموا الجائع، وعودوا المريض) .
قال الحافظ في الفتح: (قوله: باب فكاك الأسير: أي: من أيدي العدو بمال أو بغيره، والفكاك: التخليص .. قال ابن بطال": فكاك الأسير واجب على الكفاية، وبه قال الجمهور، وقال إسحاق بن راهوية: من بيت المال) [1] ."
وجاء في السير الكبير وشرحه - من كتب الحنفية: (أن تخليص أسراء المسلمين من أيدي المشركين واجب) [2] .
وجاء في قوانين الأحكام الشرعية - من كتب المالكية: (يجب استنقاذهم من يد الكفار بالقتال، فإن عجز المسلمون عنه - كما هو الحال اليوم - وجب عليهم الفداء بالمال، فيجب على الغني فداء نفسه، وعلى الإمام فداء الفقراء من بيت المال، فما نقص تعين في جميع أموال المسلمين، ولو أتى عليها) [3] .
(1) فتح الباري: 6/ 167.
(2) شرح السير الكبير: 4/ 1587.
(3) قوانين الأحكام الشرعية، لابن جزي: ص 172.