ولقد يبلغ الأمر - في ذلك - أن نهدر قيمة الولاء العقدي، فنذم المخالف ونحرض عليه، ونغري به عدوه وعدونا، توصلًا إلى مسامحته لنا وغضه الطرف عنا، علمًا بأنها إن حصلت فهي محدودة مؤقتة، ولمجرد المناورة السياسية، والمخادعة المرحلية.
ومنها: التمحك بآراء فقهية مختلفة المناطات عما نحن فيه، إذ التباين بين واقعين مانع من المساواة بينهما، وإلا فهو جمع بين مختلفين، ولا يستقيم - في بدهيات الشريعة - أن يسوى بين الفسق والزندقة، ولا بين الامتناع والردة، ولا بين ظلم الحاكم وخيانته، ولا بين الضرر القاصر والمتعدي، ولا بين ترك قتال أعداء الأمة وقتل الأمة من أجل أعدائها.
ومنها: تقويم المفاسد في حدود الواقع الكائن دون النظر إلى مآلاته، ومدى ما يمكن أن يصل إليه لو تركت تلك المفاسد، وأن واقع الأمة قد يصل إلى حد لا يرجى معه صلاح ولا تغيير، بل ولا تبقى تلك المصالح التي نُسَوِّغ - لأجلها - ترك التغيير.
ومنها: تعميم الرؤى الفكرية التي تتعلق بواقع بعينه أو بتجارب تاريخية ذات ظروف خاصة، دون مقتضى اجتهادي فقهي صحيح، حتى استحالت أراء ومذاهب فرعية أصولًا وثوابت، وأنزلت منزلة العقائد وأصول الإيمان. وبدهي أن خطأ تعميم الرؤى يقع في الحظر والجواز جميعًا، وهما يدوران مع المصلحة الشرعية حيث دارت، على أن تكون المصلحة حقيقية قطعية كلية منضبطة، وهو ما يمتنع القول بامتناعه على كل حال، وفي كل وقت، على هذا النحو من الإطلاق الذي يقول به البعض.
وجملة: قد تكون الحكمة عين الحكمة كامنة فيما يسميه المغرضون جنونًا، أو فيما يبدو لفاقد الحكمة، أو أعمى البصيرة ضربًا من اللاعقل، والحكمة سر من أسرار الله (يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ [البقرة: 269] ، وهي لا تطلب على تمامها إلا من المصدرين العظيمين الكتاب والسنة، وما من قول أو عمل يوصف بالحكمة - بحق - إلا وله موافقة لهذين الأصلين ولو من بعض الوجوه.
ويبقى السؤال مطروحًا - في كثير من مواقفنا وآرائنا - أعقل أم جنون؟
حاشية:
قدرت أعداد حجيج بيت الله الحرام بثلاثة ملايين حاج، أو مليونين ونصفٍ على أقل تقدير!!