قلت: والآية محل الاستدلال قد بينت أن التحليل لما حرمه الله والتحريم لما أحل الله شرك، وأن من فعل هذا قد جعل نفسه ندًا لله وربًا معه، وأن من اتبعه في تحليله وتحريمه - معتقدا بقوله أو راضيًا به- مشرك كافر لاتخاذه أندادًا من دون الله، يعطيهم حق التحريم والتحليل وحق الطاعة في ذلك ..
قال البغوي في التفسير: (فإن قيل: وإنهم لم يعبدوا الأحبار والرهبان قلنا: معناه أنهم أطاعوهم في معصية الله واستحلوا ما أحلوا، وحرموا ما حرموا، فاتخذوهم كالأرباب) [1] .
وعن حذيفة بن اليمان قال: (أما إنهم لم يكونوا يصومون لهم، ولا يصلون لهم، ولكن كانوا إذا أحلوا لهم شيئًا استحلوه، وإذا حرموا عليهم شيئًا أحله الله لهم حرموه، فتلك كانت ربوبيتهم) [2] .
ونحو هذا قال أبو البحتري: (أما إنهم لم يصلوا لهم، ولو أمروهم أن يعبدوهم من دون الله ما أطاعوهم، ولكن أمروهم فجعلوا حلال الله حرامه، وحرامه حلاله، فأطاعوهم، فكانت تلك الربوبية) [3] .
ويعلق شيخ الإسلام ابن تيمية فيقول:(وهؤلاء الذين اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابًا حيث أطاعوهم في تحليل ما حرم الله وتحريم ما أحل الله يكونون على وجهين:
أحدهما: أن يعلموا أنهم بدلوا دين الله فيتبعوهم على هذا التبديل، فيعتقدون تحليل ما حرم الله أو تحريم ما أحل الله، اتباعًا لرؤسائهم مع علمهم أنهم خالفوا دين الرسول، فهذا كفر .. وقد جعله الله ورسوله شركًا، وإن لم يكونوا يصلون لهم ويسجدون لهم، فكان من اتبع غيره في خلاف الدين مع علمه أنه خلاف الدين واعتقد ما قاله ذاك دون ما قاله الله والرسول مشركا مثل هؤلاء) [4] .
قلت: قوله (واعتقد ما قاله ذاك .. إلخ) : يدل على أنه يشترط في التابعين ما لم يشترط في المتبوعين إذ المتبوع المشرع من دون الله أتى كفرًا بمجرد التشريع.
(1) تفسير البغوي 3/ 85
(2) تفسير الطبري 10/ 115
(3) الفتاوى لابن تيمية 7/ 67
(4) مجموع الفتاوى 7/ 70