الثاني: يقول ابن تيمية رحمه الله: (أن يكون اعتقادهم وإيمانهم بتحريم الحرام وتحليل الحلال ثابتا، لكنهم أطاعوهم في معصية الله كما يفعل المسلم ما يفعله من المعاصي التي يعتقد أنه معاص، فهؤلاء لهم حكم أمثالهم من أهل الذنوب، كما ثبت في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:"إنما الطاعة في المعروف"وقال:"على المسلم السمع والطاعة فيما أحب وكره ما لم يؤمر بمعصية"وقال:"لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق"وقال:"من أمركم بمعصية فلا تطيعوه") [1] .
وغني عن البيان أن التحليل ليس شرطًا فيه أن يكون بنص صريح من المستحل أنه استحل كذا، بل كذلك يكون ضمنيا بعدم اعتباره جريمة أو اعتباره جريمة في حق الناس (أي دون حق الله) فإن وقع برضاهم أو تنازلوا عنه فلا جريمة ولا عقوبة كما هو الحال في جريمة الزنا - مثلا - حيث تعاقب المرأة على الخيانة الزوجية لا على الزنا نفسه، فإن تنازل الزوج بطلت الدعوى ولا جريمة [2] .
قال الأستاذ علي جريشة: (والتحريم والتحليل - اللذان أشارت إليهما الآيات الكريمة- يتخذ صورة العدول أو التعديل، فمن عدل عن تحريم الخمر إلى إباحتها فقد أحل ما حرم الله ووقع في الكفر والشرك .. وكما يكون العدول صريحا، بأن يقال عن الحرام حلال، فإنه يكون كذلك ضمنيا، بتغيير وصف الحكم من الحرام إلى الحلال ففي مثل الخمر جاء تحريما بالنص والإجماع، فإذا جاءت نصوص وضعية خالية من العقاب، فقد غيرت وصف الحكم وجعلته مباحًا والمباح أحد أقسام الحلال، ومن ثم فإنها تكون بذلك قد أحلت ما حرم الله.
كذلك الزنا حرمته الشريعة بالنص والإجماع فإذا جاءت نصوص وضعية خالية من النص على العقاب عليه ولو في بعض الأحوال، فإنها تكون قد أباحته في هذه الحالات .. أي تكون قد أحلت ما حرم الله وهذه صور من العدول.
أما صور التعديل: فإن الحكم يبقى على وضعه الأصلي فلا ينقلب من الحرام إلى الحلال ولكن مثلًا يجوز التعديل في العقوبة التي وضعها الله سبحانه للفعل، كأن يحتفظ النص الأصلي بتحريم الفعل وتجريمه ولكنه يعدل في العقوبة المقررة له شرعًا فيجعلها الحبس بدلًا من الجلد أو الرجم.
(1) مجموع الفتاوى 7/ 71
(2) انظر كتابنا"هداية الحائرين في حكم من بدل شرائع الدين"