جزاء وفاقا، والجزاء من جنس العمل .. ولذلك قال الحافظ ابن كثير:" (ويوم القيامة لا ينصرون) أي فاجتمع عليهم خزي الدنيا موصولا بذل الآخرة، كما قال تعالى: {أهْلكْناهمْ فلا ناصر لهمْ} (8) "أ. هـ (9) . غير أنهم اتخذوا من يجادل عنهم ويدجل على الناس لهم، فيقلب قبحهم حسنا، وقبائحهم حسنات .. فيخيل للناس ـ من سحر هؤلاء الدجالين ـ أنها كذلك حقا، أو قل يضطرون إلى رؤيتها كما زيفت وموهت"حسنات"حيث غيب عنهم كل مقياس وميزان، وغيب الضد الذي بمجرد وجوده يتعرى الطغاة،"وبضدها تتبين الأشياء"!!
وعلى الرغم من كل ما يبذله الدجالون المجادلون من تدجيل وتزييف، تبقى الحقيقة ـ رغم تغييبها ـ كامنة تحت التعتيم المفروض، تنتظر أول شعاع يقظة يتسرب من جدار الخنوع، ثم يوم القيامة تنكشف الحقائق كلها، فلا ينفع الطغاة تزوير ولا تزييف، وإن كان قد ينفعهم في الدنيا إلى حين، قال تعالى: {ها أنْتمْ هؤلاء جادلْتمْ عنْهمْ في الْحياة الدنْيا فمنْ يجادل الله عنْهمْ يوْم الْقيامة أمْ منْ يكون عليْهمْ وكيلا} (10) .
ولنطل على ما قاله المفسرون في قول الله جل وعلا ـ عن فرعون وجنوده ـ: {ويوْم الْقيامة همْ من الْمقْبوحين} (11) .
قال الطبري:"يقول تعالى ذكره: هم من القوم الذين قبحهم الله، فأهلكهم بكفرهم بربهم، وتكذيبهم رسوله موسى عليه السلام، فجعلهم عبرة للمعتبرين، وعظة للمتعظين" (12) .
قال القرطبي:"أي من المهلكين الممقوتين. قاله ابن كيسان وأبو عبيدة. وقال ابن عباس: المشوهين الخلقة بسواد الوجوه وزرقة العيون. وقيل: من المبعدين، يقال: قبحه الله: أبعده من كل خير، وقبحه وقبحه إذا جعله قبيحا" (13) .
قال الفخر الرازي:"أي المبعدين الملعونين، والقبح هو الإبعاد، قال الليث: يقال: قبحه الله، أي نحاه عن كل خير. وقال ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ: من المشئومين بسواد الوجه وزرقة العين (وهذا قريب مما نقله القرطبي آنفا) ، وعلى الجملة .. فالأولون حملوا القبح على القبح الروحاني وهو الطرد والإبعاد من رحمة الله تعالى، والباقون حملوه على القبح في الصور. وقيل فيه: إنه تعالى يقبح صورهم ويقبح عليهم عملهم ويجمع بين الفضيحتين" (14) .
وقال الطاهر ابن عاشور:"وجزاؤهم يوم القيامة أنهم من المقبوحين، والمقبوح: المشتوم بكلمة (قبح) أي: قبحه الله أو الناس، أي جعله قبيحا بين الناس في أعماله، أي: مذموما" (15) .
والحق أنهم مقبوحون بإطلاق وعموم، أي في الدنيا والآخرة، وقد قال الله تعالى ـ في الفراعنة ـ في موضع آخر: {فاتبعوا أمْر فرْعوْن وما أمْر فرْعوْن برشيد* يقْدم قوْمه يوْم الْقيامة فأوْردهم النار وبئْس الْورْد الْموْرود* وأتْبعوا في هذه لعْنة ويوْم الْقيامة بئْس الرفْد الْمرْفود} (16) . واللعن: هو أبلغ الذم، وهو متضمن لتقبيحهم، فإنهم إنما يلعنون لقبح أخلاقهم، وذميم صفاتهم، وذلك كما قال تعالى ـ في عاد ـ {وأتْبعوا في هذه الدنْيا لعْنة ويوْم الْقيامة ألا إن عادا كفروا ربهمْ ألا بعْدا لعاد قوْم هود} (17) ، وقد جمعهم الله وفرعون وأمثالهم جميعا في قوله سبحانه: {ألمْ تر كيْف فعل ربك بعاد* إرم ذات الْعماد* التي لمْ يخْلقْ مثْلها في الْبلاد* وثمود الذين جابوا الصخْر بالْواد* وفرْعوْن ذي الْأوْتاد* الذين طغوْا في الْبلاد* فأكْثروا فيها الْفساد* فصب عليْهمْ ربك سوْط عذاب* إن ربك لبالْمرْصاد} (18) .