وهم ـ أيضا ـ مقبوحون في صفاتهم الخلقية وصفاتهم الخلْقية، وفي أقوالهم وأفعالهم .. فالصفات الباطنة، والطبع المكتسب من السلوك .. لا يزال يتمكن من المرء حتى يفيض على جوارحه بما ينبئ عن سريرته.
بمعنى أن الصفات الخلقية تنعكس على الصفات الخلْقية، أو هذه الأخيرة انعكاس لتلك، أي في السمت والملامح، وكل سحنة تتشكل بحسب ما يغلب على صاحبها من خلق، وإن من شأن مساوئ الأخلاق أن ترد أصحابها إلى أصول تلك الأخلاق، وإلى أبلغ نماذج وجودها في الحيوان والبهائم، حتى إنها لتلبسهم من إهاباتها، فإذا هم على هيئاتها!!
قال العلامة ابن القيم:"قال بعض أهل العلم: إذا اتصف القلب بالمكر والخديعة والفسق، وانصبغ بذلك صبغا تاما؛ صار صاحبه على خلق الحيوان الموصوف بذلك: من القردة، والخنازير، وغيرهما. ثم لا يزال يتزايد ذلك الوصف فيه حتى يبدو على صفحات وجهه بدوا خفيا، ثم يقوى ويتزايد حتى يصير ظاهرا على الوجه، ثم يقوى حتى يقلب الصورة الظاهرة كما قلب الهيئة الباطنة. ومن له فراسة تامة يرى على صور الناس مسخا من صور الحيوانات التي تخلقوا يأخلاقها في الباطن، فقل أن ترى مختالا مكارا خادعا ختارا إلا وعلى وجهه مسخة قرد، وقل أن ترى رافضيا إلا وعلى وجهه مسخة خنزير، وقل أن ترى شرها نهما، نفسه نفس كلبية إلا وعلى وجهه مسخة كلب، فالظاهر مرتبط بالباطن أتم ارتباط. فإذا استحكمت الصفات المذمومة في النفس قويت على قلب الصورة الظاهرة، ولهذا خوف النبي صلى الله عليه وسلم من سابق الإمام في الصلاة بأن يجعل الله صورته صورة حمار لمشابهته للحمار في الباطن، فإنه لم يستفد بمسابقة الإمام إلا فساد صلاته وبطلان أجره، فإنه لا يسلم قبله، فهو شبيه بالحمار في البلادة وعدم الفطنة" (19) .
قال كاتبه: ويقابل هذا: الأمر بالتنزه عن مشابهة الحيوان في الظاهر، دفعا لما قد يورثه من مشابهة في الباطن، ومن ذلك: ما رواه أبو هريرة قال:"نهاني خليلي rعن إقعاء كإقعاء الكلب" (20) (20) رواه أحمد والطيالسي وابن أبي شيبة . والإقعاء: هو أن يلزق الرجل إليتيه بالأرض وينصب ساقيه، ويضع يديه بالأرض كما يقعي الكلب. قاله أبو عبيدة. وقال الألباني:"وهذا غير الإقعاء المشروع بين السجدتين" (21) . وصورته: أن ينتصب جالسا على عقبيه وصدور قدميه.
ومنه: أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن"إذا سجد أحدكم فلا يبرك كما يبرك البعير؛ وليضع يديه قبل ركبتيه" (22) .
ومنه: نهيه صلى الله عليه وسلم ـ في هيئة السجود ـ:".. ولا يفترش أحدكم ذراعيه افتراش الكلب" (23) .
ومنه: نهيه صلى الله عليه وسلم عن الإشارة بالأيدي ـ عند التسليمتين، ولما رأى الصحابة يفعلون ذلك قال:"ما شأنكم تشيرون بأيديكم كأنها أذناب خيل شمس (24) إذا سلم أحدكم فليلتفت إلى صاحبه ولا يومئ بيده" (25) .
وفي هذا وغيره تنزيه للمسلم عن مشابهة الحيوان، ولئلا تورثه المشابهة الظاهرة مشابهة باطنة. كما أن الخلق الباطن يشكل الملامح والسمات الظاهرة .. فهي علاقة عضوية مزدوجة.
ولعلك أيها القارئ الفطن ترى في صور الطغاة ما ينبئك عن قبيح أخلاقهم وفساد باطنهم، ومن ثم تبدو