لك خارطة العفن والسوء في دواخلهم .. فترى صورة هذا الشيطان الذي يهدد العالم بأسره على هيئة قرد ـ كما صورته بعض العدسات فعلا ـ وذلك لشدة حمقه وخفة عقله، وقد تراه ـ ومن حوله وكذلك من شايعه ـ على هيئة كلب؛ لشدة شرهه ودناءة نفسه، وتراه على هيئة بعير؛ لشدة حقده، وعلى هيئة ذئب جائع ـ أو ضبع لاهث ـ؛ لشراسته وخساسة طبعه، وعلى هيئة كبش؛ لبلادة حسه، وعلى هيئة بقرة؛ لشدة بلاهته، وعلى هيئة حمار؛ لشدة غبائه، وعلى هيئة ثور؛ لشدة اندفاعه، وعلى هيئة خنزير، لشدة دياثته وانعدام غيرته، وعلى هيئة ثعلب؛ لشدة مكره ولؤم طبعه، وعلى هيئة أفعى؛ لما يضمر من نوايا الإهلاك في باطنه، وعلى هيئة حرباء؛ لكثرة تلونه وخداعه، وعلى هيئة تمساح؛ لشدة افتراسه وغدره .. وقس على ذلك ...
ولا يبعد عن هذه الصفات كثير من الطغاة، وإنما يتفاوتون في دركاتها بحسب أعمارهم، وبحسب مدد تسلطهم، ومدى طغيانهم سعة وكيفية!!
وهلم ننظر فيما رصدته قواميسنا لهم من ألفاظ ومرادفات، فإني رأيتها (قواميسنا) وكأنها مراجع من يتخيرون الطغاة، في أبواب"مساوئ الأخلاق"، فعلى ضوئها ينخلون المئات، بل الآلاف من السقط والأفاكين والمأفونين، ممن انتزعت المكارم والقيم من نفوسهم، بل انتزعت منهم الإنسانية ذاتها .. قال تعالى: {ولقدْ ذرأْنا لجهنم كثيرا من الْجن والْأنْس لهمْ قلوبٌ لا يفْقهون بها ولهمْ أعْينٌ لا يبْصرون بها ولهمْ آذانٌ لا يسْمعون بها أولئك كالْأنْعام بلْ همْ أضل أولئك هم الْغافلون (26) ، وقال تعالى: أمْ تحْسب أن أكْثرهمْ يسْمعون أوْ يعْقلون إنْ همْ إلا كالْأنْعام بلْ همْ أضل سبيلا} (27) .. ولأنهم أضل سبيلا فإننا نعتذر للأنعام مقرين بسموها على أصحاب السمو، ونعتذر إليها أيضا لأن بها من المنافع ما لا يطمع في معشاره أن يبذله الطغاة ولو سخروا له، بل أقول: ليتهم يكفون شرهم لا غير .. قال تعالى: {وإن لكمْ في الْأنْعام لعبْرة نسْقيكمْ مما في بطونها ولكمْ فيها منافع كثيرةٌ ومنْها تأْكلون} (28) ، وقال تعالى: الله الذي جعل لكم الْأنْعام لترْكبوا منْها ومنْها تأْكلون (29) ..
والمتأمل في حكمة خلق السباع الضواري ذاتها، والهوام والحشرات ونحوها .. ليجدن أنها تحدث في الكون وجوانب الخلق توازنا عجيبا لا يستقيم الأمر بدونه، أما تلك الأشياء التي تحكمنا .. فإنها تصيب كل شيء بالاختلال والارتباك والتضارب .. وكل ما من شأنه الإفساد الذين طغوْا في الْبلاد* فأكْثروا فيها الْفساد (30) .
إذا عرف هذا فأحق الناس بمشابهة السباع والضواري، والهوام والبهائم (أو تشبيهها بهم) .. هؤلاء الذين يريدون لشعوبهم أن تساق سوق الأنعام!!
فماذا قالت قواميسنا، وما الذي وفرته لنا من ألفاظ تفي بالمراد؟
قال الثعالبي في"فقه اللغة":"فصل يناسبه في صفات الأحمق" (31) . والضمير في (يناسبه) يقصد به الثعالبي الفصل قبله، ونقصد به: كل جبار عنيد .."."
يسود كل ذي حمْق جهول ... زمانٌ قدْ تفرغ للفضول
فكونوا جاهلين بلا عقول ... فإن أحببتمو فيه ارتفاعا
قال:"إذا كان به أدنى حمق وأهونه، فهو: أبله. فإذا زاد ما به من ذلك وانضاف إليه عدم الرفق في أموره، فهو: أخْرق. فإذا كان به ـ مع ذلك ـ تسرعٌ، وفي قده طولٌ، فهو: أهوج. فإذا لم يكن له رأس"