والثاني: أنك استعنت بالكفار على المسلمين ... قال عليه الصلاة والسلام:"إني لا أستعين بمشرك [1] ..." [2] .
[أما] الاستعانة بهم - بالمشركين - على المسلمين فلا يخطر إلا على بال من قلبه وراء لسانه، وقد قيل قديمًا: لسان العاقل من وراء قلبه ...
وقولك: {فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله} ، إيه أنت مع الله ورسوله؟! .. وقد افتخرت في كتابك بجموع الروم وقيامهم معك، وعوَّلت على بلوغ الملك بحشودهم، وأنى لك هذا مع قول الله تعالى: {وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ} [التوبة: من الآية 32] ) [3] .
ثم كانت وقعة"المخازن"التى انتصر فيها المسلمون على الصليبية الحاقدة نصرًا مؤزرًا.
وكان من روائع وقائعها؛ رسالة عبد الملك المعتصم بالله إلى سبستيان: (إن سطوتك قد ظهرت في خروجك من أرضك، وجوازك العدوة - يعني الأندلس - فإن ثَبُتَّ إلى أن نقدم عليك، فأنت نصراني حقيقي شجاع، وإلا فأنت كلب ابن كلب) [4] .
فهذا ما حكم به علماء الإسلام في الخائن"المتوكل"كونه استعان بالمشركين لأجل تثبيت ملكه، غير مبال بإراقة دماء المسلمين وتخريب بلادهم والتنازل لعدوهم عن بعض ممالكهم، فكيف بمن يعين الصليبيين اليوم لأجل تمكينهم من احتلال أقطار إسلامية وفرض نفوذهم على سائرها، ولو بإهلاك أهل الإسلام وتدمير بلادهم؟
أما أن يجتمع علماء الأمة لكل قضية، ويأتمرون لكل نازلة ... إلا قضية الحاكم المستبدل لشرائع الإسلام، ونازلة الخيانة العظمى التي مكنت عدونا من بلادنا ... فهذا ما لا أجد له في التاريخ نظيرًا ...
أجل ... كانت في التاريخ خيانات، ولكنها - أبدًا - لم تكن بهذا الشمول والاتساع، وعلى الرغم من ذلك لم تقابل بمثل هذا الصمت والتجاهل.
ويقال: قضية حساسة!
(1) أخرجه مسلم بلفظ:"فارجع فلن أستعين بمشرك": (ح/1817) .
(2) لعله سقط من السياق عبارة أو أكثر، وزدت (أما) من عندي لتستقيم العبارة ...
(3) "المصدر السابق"نقلًا عن"وادي المخازن": (51) .
(4) "وادي المخازن": (ص53) نقلًا عن"دولة الموحدين": (267) .