الصفحة 8 من 154

والاصطلاحات التي وضعها الرجال بلا مستند من شريعة الله، كما كان أهل الجاهلية يحكمون به من الضلالات والجهالات مما يضعونها بآرائهم وأهوائهم، وكما يحكم به التتار من السياسات الملكية المأخوذة عن ملكهم جنكيزخان الذي وضع لهم الياسق، وهو عبارة عن أحكام قد اقتبسها من شرائع شتى من اليهودية والنصرانية والملة الإسلامية وغيره، وفيها كثير من الأحكام أخذها من مجرد هواه، فصارت في بنيه شرعًا متبعًا يقدمونها على الحكم بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، فمن فعل ذلك فهو كافر، يجب قتاله، حتى يرجع إلى حكم الله ورسوله، فلا يحكم سواه في قليل ولا كثير) [1] .

قول الله تعالى: {وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم وإن أطعتموهم إنكم لمشركون} :

قال ابن كثير: (وقوله تعالى: {وإن أطعتموهم إنكم لمشركون} أي حيث عدلتم عن أمر الله لكم وشرعه، إلى قول غيره، فقدمتم عليه غيره، فهذا هو الشرك، كقوله تعالى: {اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابًا من دون الله} .. الآية وقد روى الترمذي في تفسيرها - عن عدي ابن حاتم - أنه قال:(يا رسول الله ما عبدوهم فقال: بلى إنهم أحلوا لهم الحرام وحرموا عليهم الحلال فاتبعوهم فتلك عبادتهم إياهم) [2] .

قال الشنقيطي رحمه الله: (ويفهم من هذه الآيات كقوله: {ولا يشرك في حكمه أحدًا} أن متبعي أحكام المشرّعين غير ما شرعه الله أنهم مشركون بالله، وهذا المفهوم جاء مبينًا في آيات أخر كقوله فيمن اتبع تشريع الشيطان في إباحته الميتة بدعوى أنها ذبيحة الله: {ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم وإن أطعتموهم إنكم لمشركون} فصرح بأنهم مشركون بطاعتهم، وهذا الإشراك في الطاعة واتباع التشريع المخالف لما شرعه الله تعالى هو المراد بعبادة الشيطان في قوله تعالى: {ألم أعهد إليكم يا بني آدم أن لا تعبدوا الشيطان إنه لكم عدو مبين وأن اعبدوني هذا صراط مستقيم} ، وقوله تعالى على لسان نبيه إبراهيم: {يا أبت لا تعبد الشيطان إن الشيطان كان للرحمن عصيا} ، وقوله تعالى: {إن يدعون من دونه إلا إناثا وإن يدعون إلا شيطانًا مريدًا} أي ما يعبدون إلا شيطانًا، وذلك باتباع تشريعه، ولذا سمى الله تعالى الذين يطاعون فيما زينوا من المعاصي شركاء، كما في قوله تعالى: {وكذلك زين لكثير من المشركين قتل أولادهم شركاؤهم} الآية، وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم لعدي بن حاتم رضي الله عنه لما سأله عن قوله تعالى: {اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابًا من دون الله والمسيح ابن مريم} الآية. فبين له أنهم

(1) تفسير ابن كثير 2/ 70 ط دار المعرفة بيروت

(2) تفسير القرآن العظيم 2/ 171

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت