الصفحة 87 من 154

ولعل الله - جلت حكمته - شاء أن تجري مقاديره بما جرت به، ليستذكر الناس معنى يكاد يُنسى ويُغفل، ولا يكاد يحتذى ويُتمَثَّل، أن"كل يؤخذ من قوله ويرد"، وأن"لا عصمة بعد النبوة"، وأن"كل بني آدم خطاء"، وفي هذا من الدروس التربوية ما لا يخفى.

-سادسًا:

لا ينبغي للإخوة الأفاضل أن يغفلوا من حساباتهم قيمتهم كرمز، وذلك حق للأمة فيهم، وقيمة لا يملكون المساس بها، وإن الجموع التي اتبعتكم لم تزل ترى فيكم المثل وتستمد من ثباتكم الثبات، فبالله عليكم لا تفجعوها ولا تفجعونا - وآلافًا غيرنا التزموا دين الله معجبين بسيرتكم مترسمين على الهدى خطاكم - بالله لا تفجعونا فيكم، فليس ينقصنا من الفواجع المزيد ...

-سابعًا:

وأدرك - ويدرك غيري - مدى استشعاركم المسئولية تجاه آلاف المعتقلين، وآلاف أخر من المآسي ربما كانت أنكى من مآسيهم ... فكم من أسر تحطمت، وبيوت للمسلمين خربت، وجيل من الأبناء شرد، وجموع سحقها الجوع والفقر بعد فقدان العائل ... ناهيك عن طابور من الثكالى والأرامل، وطوابير من الزمنيين والمرضى تعطلت أجسادهم، ومنهم من مات جوعًا أو قهرًا أو سوء رعاية، أما عن الأعراض التي انتهكت، والأنفس التي أزهقت، والدماء التي سالت، والعظام التي هشمت، والأعين التي فقئت، والإعدامات الجماعية داخل القانون وخارجه ... فحدث ولا حرج ...

أدرك ذلك كله معكم، وأدرك أيضًا الفراغ الدعوي الذي خلفتموه وراءكم، وما نجم عن ذلك من ضمور لمظاهر الإلتزام في مناطقكم، وفي غير مناطقكم ...

أدرك ذلك إدراك العارف بنفسياتكم، وما عهدته فيكم من تحرج الأتقياء، ووجل الخاشعين، فلربما تعدون من المهلكات؛ أن يكون بإمكانكم رفع ظلم عن مظلوم - ثم لا تفعلون، وإن يكن ذاك المظلوم خصمًا لكم - فكيف بمن هم أمانة في أعناقكم؟

أدرك أنكم تتمثلون أنموذج الصحابي الجليل"عبد الله بن حذافة السهمي"حينما استجاب لعدو الله هرقل أن يقبل رأسه، مقابل أن يطلق سراح إخوانه ...

ولكنني أخشى أن لا تسامحكم الأمة وأنتم تنحون بعض رموز عزتها - أنتم - وجيلكم، ومنهاجكم، وأعمالكم، من مسيرتها الصابرة، وتمحون عشرين سنة من المحن والبلاءات، ومئات من نماذج التضحية والصبر والفداء، وآلافًا من بسطاء الأمة ممن أحبوكم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت