الصفحة 89 من 154

ولا أشك في أن المشايخ الأفاضل يدركون حتمية تجاوز الخطاب الحزبي التجريحي مع الآخر، فهذه الجماعات - وإن يكن خلافنا معها ما يكون - هي في خندقنا، شئنا أو أبينا، وليس ثم سوى خندقين.

كل ذلك آخذه على الحوارات، وألمح من ورائه شبهة إكراهكم - أو اضطراركم - تكمن هناك.

-ثامنًا:

يؤكد المناخ السياسي في مصر؛ أن النظام الحاكم لن يسمح لـ"لجماعة الإسلامية"باسترداد عافيتها، فضلًا عن استئناف نشاطها واستعادة منابرها، ذلك أن العقلية القمعية في دوائر النظم"البوليسية"تأبى إلا أن تسحق المخالف وأن تمحقه محقًا، فهي تضغط بكل قهرها وجبروتها لتستلبه ذاتيته واستقلاله وحريته، ليس على مستوى قدراته كمعارض، أو كمنافس سياسي وحسب، ولكن حتى على مستوى فكره وقناعته ومعتقده، تريد لتعتصر دماءك الفكرية اعتصارًا، فلا تدعك إلا وقد صرتَ جسدًا بلا روح، لتكون لمن خلفك آية، في عملية هي أشبه ما يكون بما يشغبون به على الفكر الإسلامي، من دعواهم عليه الإكراه في الدين! إنها سياسة"التجميد الفكري"أو"التحنيط السياسي"، وربما كانت لهذه العقلية جذور فرعونية بالفعل، ترجع إلى رمزها الأول القائل - وبئس ما قال: {مَا أُرِيكُمْ إِلا مَا أَرَى} .

إن مثل هذه العقلية القمعية لا يمكن أن تقبل بكيان معارض لها إلا إذا استحال إلى"مومياء"سياسية، أي مجرد كيان قائم - ربما يستقل بخصائصه الذاتية وتفاعلاته الداخلية - ولكنه غير مسموح له - قط - بالتأثير الإيجابي أو المخالفة المعلنة، أو هو فاقد لذلك أصلًا أو عاجز عنه، إما تدجينًا واستئناسًا، كما الشأن في بعض الأحزاب، وإما اضطرارًا وإرغامًا، كما هي السياسة المعتمدة مع التيار الإسلامي بخصوص!

-تاسعًا:

ولقد غفلت العقلية القمعية المتنفذة في السلطة عن أمرين جوهريين:

الأول: أن التراجع الشمولي الناسخ لكل مفردات الفكر - ثابته ومتغيره، صوابه وخطأه -، - الذي تصر السلطة عليه، وتدفع بالجماعة إليه - من شأنه أن يفرغ المبادرة من قيمتها، لأن نبذ الفكر التنظيري يستتبع بالضرورة الإمساك عن مقتضاه التطبيقي، في حين أن قيمة المبادرة تكمن في كونها تراجعًا عمليًا - بل وتصويبيًا - عن مفردة منهجية رغم بقاء عموم الفكر المنبثقة عنه، ما يعني الالتزام التام بقواعد الشرع في تطبيق الفكرة أو الفتوى -

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت