الصفحة 90 من 154

أي فتوى - وذلك بحد ذاته يرسخ ويكرس للاعتبار بمدى واقعية النظرية وإمكانية تطبيقها ومآلات تطبيقها، ما يمثل ضابطًا ملزمًا لحملة الفكر سواء كانوا من أهل"المبادرة"أو من غيرهم، أو من أي جيل قادم يحمل فكرًا مماثلًا أو مشابهًا، أو ممن يحمل الفكرة الإسلامية عمومًا، ويمثل - أيضًا - ضمانة حركية تمنع تكرار التجربة المأساة، في ظل وجود كيان منضبط قادر على استيعاب التوجهات المشابهة، وضبط تفاعلاتها الفكرية حركيًا - وهذه النقطة السالفة بعينها دعت بعض المتابعين إلى استنكار حوارات"المصور"، حيث رأوها تفريغًا فكريًا أكثر منها مصالحة وتصويبًا -

وخذ مثلًا على مسألة الانضباط وما تكرسه المبادرة باتجاهها: الحاكم المبدل لشرائع الإسلام؛ حاكم توجب الشريعة عزله وخلعه، ولكن الانضباط بقواعد الشرع ومقتضى القياس المصلحي قد يرفع هذا الوجوب في ملابسات ظرف بعينه، أو على الأقل يحظر استخدام وسيلة بعينها - كالخروج المسلح - بالنظر إلى مآلات استخدامها، والوقوف على هذه المآلات يستفاد مما تكرسه التجارب المشابهة، كما الشأن في واقعة الحال.

ذلك أن للوسائل والآليات أحكام المقاصد والغايات، ولكن ليس لها صفتها، من حيث الديمومة والثبات، ولا من حيث الحصانة ضد التأثر بالمتغيرات، فهي وإن كانت ثابتة بالنظر إلى أصل المشروعية، إلا أنها متغيرة بتغير واختلاف الزمان والمكان والأحوال والعوائد، مترددة بين الجواز والمنع تبعًا للموازنات بين المصالح والمفاسد، متأثرة بتقديرات المآلات والعواقب.

الثاني: أننا أمام بديلان اثنان ...

أولهما: الجماعة الإسلامية بفكرها الذي عرفت به مضافًا إليه دروس التجربة وما استفادته فيها من لزوم الانضباط بمقتضى المصلحة الشرعية، وهو انضباط قاضٍ بتجنب تكرار التجربة الصدامية السابقة.

والآخر: الجماعة الإسلامية بفكر جديد، ينسخ منهجها المعروفة به، ومن ثم يخلي وراءه فراغًا فكريًا استصلاحيًا ينظر من يحرثه، وفضاءً منهجيًا شاغرًا يترقب من يملؤه، ولن تكون المبادرة ملزمة لهذا المنتظر المرتقب - لما رافقها من تراجع فكري انتكاسي في بعض مفردات المنهج - بل ربما يذهب الذاهب إلى أن قصورًا في الإمكانات أو في ملابسات إعمال الفتوى هو الذي جلب المفاسد وأودى بالمصالح، أو يذهب إلى أن المبادرة لم تكن إلا صدى لتراجع فكري افتتاني، فيراها نتيجة طبيعية لغياب الفكرة أو النكوص عنها، بينما هي انضباط منهجي يستبعد ما ثبت فساده رغم بقاء عموم الفكر! ولا ننسى أن منهج الجماعة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت