برز في أواخر سبعينيات القرن الفائت، متجهًا إلى سد فراغ كانت تعانيه الحركة الإسلامية يومئذ في بعض ميادينها.
-عاشرًا:
لئن كان التحول الفكري اليوم اقتصر على بعض الثوابت، فإن ما يظهر لنا من طريقة ممثلي السلطة يدل على أنهم يرمون إلى ما هو أبعد، إذ إنهم لم يكتفوا بتراجع الجماعة على مستوى الوسيلة الصدامية وحسب، ولكنهم مضوا يراودونها عن تصوراتها للواقع المعاش، ويساومونها على آرائها في النظام الحاكم، إلى حد أن ذهبوا يستنطقونها بموافقته وتأييد سياساته، سيما تلك التي أطبقت الأمة على فسادها وفشلها، كما الشأن في القضية الفلسطينية.
ثم إني أعجب كيف تكون القضية الفلسطينية ذاتها - على الرغم من خيانة النظام لها - هي التعليل الغائي لكل هذا الحجم من التنازلات، وباسمها اعتبرتم جهاز الشرطة - قتلة المتظاهرين من أجل فلسطين - امتدادًا لجبهة بلادنا الداخلية، وتوحيدًا لها ضد العدو الأول إسرائيل!
لقد بلغت زاوية التحول الفكري حدًا بل انفراجًا غير مقبول، ما أطمع من ليس معنيًا بالإسلام أن يطالبكم بإقرار فكرة"الدولة المدنية"بديلًا للشرعية الإسلامية، رغم أن هؤلاء يشكلون مع قيادتهم الدينية منظومة عمل موحد، هو أشبه بدولة داخل الدولة، وهذا لم يعد خافيًا على أحد، بل كتب عنه - مستنكرًا إياه - منصفون منهم [1] .
-حادي عشر:
عقلًا ومنطقًا - لو كان في بلادنا عقل ومنطق - كانت المبادرة كفيلة بتغيير موقف السلطة، واستبعاد - أو حتى تجميد - سياساتها القمعية، على الأقل لما سببته من إحراج سياسي لها، فقد جردت المستبدين من أبلغ حججهم، وأسقطت مبرراتهم في اعتماد سياسات الطوارئ، وأمعنت في كشف تذرعهم الزائف لفرض القوانين الاستثنائية، والأحكام العرفية، والمحاكم العسكرية، {وَمَا اللهُ بِغَافِلٍٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ} ... ولكنهم - رغم ما أضيف إلى المبادرة من تحول فكري عريض - لم يغيروا من السياسات شيئًا، ولم يوقفوا آلة القمع - ولو مؤقتًا - بل مضوا في عتوهم وجبروتهم سادرين، واعتقل رجل المبادرة الأول والمعارض لاستخدام القوة"المهندس صلاح هاشم"، وتعرض للتعذيب - مع زميله الأستاذ على
(1) يراجع ما نشرته"الشرق الأوسط"5/ 8/2002م، نقلًا عن جريدة"وطني"المقربة من الكنيسة المصرية في تقرير لها عن مراجعات الجماعة الإسلامية.