عن مسروق قال: كنا عند الإمام علي رضي الله عنه فجاء خمسة غلمه فقالوا: إنا كُنا ستة غلمه نتغاطس فغرق منا غلام، فشهد الثلاثة على الاثنين أنهما أغرقاه، وشهد الاثنان على الثلاثة أنهم أغرقوه، فجعل على الاثنين ثلاثة أخماس الدية، وجعل على الثلاثة خمسيها، [1] كما استدلوا بما روي عن الإمام علي رضي الله عنه أنه قال: شهادة الصبيان جائزة بينهم ما لم يتفرقوا أو يرجعوا إلى أهليهم. [2]
ويشترط المالكية ومن معهم لقبول شهادة الصبيان: الذكورة، والتمييز - أي بلوغ عشر سنوات-، والتعدد -أي أن يكونوا اثنين فأكثر -، والاتفاق في الشهادة، وألا يكون بينهم وبين المشهود له قرابة، وألا يكون بينهم وبين المشهود عليه عداوة، وألا يحضر بينهم كبير وقت الجراح، وأن يشهدوا قبل تفرقهم عن الحالة التي تجارحوا عليها، فإن تفرقوا لم تقبل شهادتهم، لأنه يحتمل أن يلقنوا من الغير، وألا يشتهروا بالكذب [3]
موقف القانون اليمني
نصت المادة (27) إثبات على أنه: (( 1 - يشترط في الشاهد ما يلي: ـ ... أ- أن يكون بالغًا .. ) )ونصت المادة (31) إثبات على أنه: (( الطفل المميز غير أهل للشهادة ولكن تسمع أقواله فيما شاهده كقرينه ) ).ونصت المادة (32) إثبات على أنه: (( تقبل شهادة الصبيان بعضهم على بعض فيما يحدث بينهم ما لم يختلطوا بغيرهم من الكبار مع غلبة الظن بصدقهم ) ).
فالواضح من هذه النصوص أن المشرع اليمني يفرق بين حالتين:
الأولى: شهادة الصبيان في كل شيء باستثناء شهادتهم على ما يحدث بينهم من وقائع، وفي هذه الحالة اعتبر المشرع شهادتهم قرينة بسيطة يسترشد بها القاضي للوصول إلى الحق، ولا يجوز له أن يحكم بمقتضاها منفردة ما لم يكن أمامه أدلة أخرى معتبرة.
أما الثانية: فهي شهادة الصبيان على ما يحدث بينهم من وقائع، وأحداث، وفي هذه الحالة تقبل شهادتهم، ويجوز الحكم بمقتضاها، بشرط أن لا يختلطوا بغيرهم من الكبار، وأن يغلب على الظن صدقهم، ما لم فلا تقبل شهادتهم، ولا يجوز الحكم بمقتضاها. وبهذا يكون القانون اليمني قد اخذ برأي المالكية، ومن معهم، إلا أنه لم يأخذ بكافة شروطهم، بل أقتصر على شرط عدم اختلاطهم بغيرهم من الكبار، وشرط غلبة الظن بصدقهم، إذ أنه يرى أن شرط اقتناع القاضي بصدقهم تندرج فيه بقية الشروط الأخرى، فمتى شك القاضي في صدقهم، أو ثبت لديه قرابة بينهم وبين المشهود له، أو عداوة مع المشهود عليه، أو اختلفوا في شهادتهم، أو كان سنهم صغير، فإنه لا يقبل شهادتهم، فالأمر خاضع لسلطته التقديرية.
يجب أن يكون الشاهد حال أداء الشهادة عاقلًا مدركًا لما يشهد به، فإن كان مجنونًا، أو معتوهًا، أو زائل العقل بسكر، أو غيره، فلا تقبل شهادته، لأن من لا يعقل، لا يعرف الشهادة، فكيف يقدر على أدائها [4] ، ولأن الشهادة فيها معنى الولاية، والمجنون لا ولاية له إذ هو مشمول
(1) - المغني، مرجع سابق جـ 9 ص 164 - 165
(2) - المحامي عارف الرباصي، مرجع سابق ص 133
(3) - مواهب الجليل، مرجع سابق جـ 6 ص 177 - 178
(4) - بدائع الصنائع، مرجع سابق جـ 6 ص 267