في اشتراطهم عدم تقادم الشهادة إلى أن الشاهد مخير إذا شهد الجريمة بين أن يؤدى الشهادة حسبة لله تعالى لقولة جلة شأنه: (( وأقيموا الشهادة لله ) ). [1] وبين أن يتستر على الحادث لقولة صلى الله علية وسلم: (( من ستر على أخيه المسلم ستر الله علية في الآخرة ) ). فإذا سكت الشاهد عن الجريمة دل ذلك على اختياره جهة الستر فإذا شهد بعد ذلك فإن هذه الشهادة المتأخرة دليل على أن ضغينة ما هي التي حملته على الشهادة، ولهذا لا تقبل شهادته. ويؤيد الحنفية رأيهم هذا بما روي عن عمر أنة قال: (( أيما قوم شهدوا على حد لم يشهدوا عند حضرته فإنما شهدوا عن ضغن ولا شهادة لهم ) ). ويقولون أنة لم ينقل أن أحد من الصحابة أنكر على عمر هذا القول فيكون إجماعًا. ومن المستفاد من قول عمر أن الشهادة المتأخرة تورث التهمة ولا شهادة لمتهم على لسان الرسول صلى الله علية وسلم حيث يقول (( لا تقبل شهادة خصم ولا ضنين ) ).-أي متهم-
ولم يقدر أبو حنيفة للتقادم حدًا وفوض الأمر فيه للقاضي يقدره طبقًا لظروف كل حالة وقدره محمد بستة أشهر وبعض فقهاء المذهب قدره بشهر.
أما جمهور الفقهاء لم يذهب إلى ما ذهب إلية الأحناف من اشتراط عدم تقادم الشهادة لا في الحدود ولا في غيرها، بل قالوا بقبولها مع تقادم العهد ما دامت شروطها الأخرى قد تحققت. [2]
وإذا كانت الشهادة ترد أصلًا للتهمة فالمنطق أن لا ترد إذا انتفت التهمة كما لو كان الشاهد تأخر لطول الطريق أو لمرض، ولما كانت التهمة أمرًا خفيًا غير منضبط ومن الصعب التحقق منه في كل الأحوال فقد أقيم التقادم مقامها وأهمل شأن التهمة فلا ينظر إلى وجودها وعدمها، على هذا ترد الشهادات بالتقادم ولو لم يكن هناك تهمة أو مأخذ على الشاهد [3]
ويرى الباحث: عدم قبول الشهادة إذا مر على حصول الواقعة فترة طويلة من الزمن، وذلك في الحدود الخالصة لله تعالى التي لا تتوقف على دعوى من أحد بل تجوز الشهادة فيها حسبة: كالشهادة على الزنا وشرب الخمر، وذلك لأن الحدود تدرأ بالشبهات وفي تأخير الشاهد لشهادته فيها شبهه توجب عدم قبول شهادته، كما أنة يستحسن في الحدود الستر والشاهد بتأخير شهادته يدل على أنة اختار الستر ثم عدل عنة لوجود ضغينة بينة وبين المشهود علية ولذلك فلا تقبل شهادته لأنة متهم فيها، وأما فيما عدا الحدود الخالصة لله تعالى كالقذف، والسرقة، والأموال، والوقائع الأخرى التي يتوقف قبول الشهادة فيها على دعوى من المدعي، فإني أرى قبول الشهادة فيها مطلقًا دون تقيد بمدة معينة، لعدم وجود التهمة، ولأن الشاهد لم يؤخر الشهادة فيها بمشيئته هذا والله أعلم.
موقف القانون اليمني.
لم يرد في القانون اليمني شيء يتعلق بتقادم الشهادة على الإطلاق لا في الحدود ولا في غيرها. ويرى الباحث بأنة يجب عل المشرع اليمني تلافي ذلك النقص في التعديلات القادمة وذلك بأن يحدد مدة معينة كحد أقصى يجب على الشاهد أن يؤدي شهادته خلالها في الحدود الخالصة لله تعالى فقط دون سواها وذلك لأن أداء الشهادة في الحدود من سبيل الأمر بالمعروف
(1) سورة الطلاق الآية رقم (2)
(2) د/ عبد القادر عودة ـ مرجع سابق صـ 457
(3) د/ عبد الفتاح أبو العينين ـ مرجع سابق صـ 224