الصفحة 27 من 42

واستدلوا بالحديث الذي رواه سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ - رضي الله عنه - قَالَ: «أَيُّمَا امْرَأَةٍ فَقَدَتْ زَوْجَهَا فَلَمْ تَدْرِ أَيْنَ هُوَ فَإِنَّهَا تَنْتَظِرُ أَرْبَعَ سِنِينَ ثُمَّ تَنْتَظِرُ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا» [1] .

قال الإمام أحمد - رحمه الله: هُوَ أَحْسَنُهَا يُرْوَى عَنْ عُمَرَ مِنْ ثَمَانِيَةِ وُجُوهٍ. ثُمَّ قَالَ: زَعَمُوا أَنَّ عُمَرَ رَجَعَ عَنْ هَذَا. هَؤُلَاءِ الْكَذَّابِينَ. ثُمَّ قَالَ: مَنْ تَرَكَ هَذَا الْقَوْلَ أَيَّ شَيْءٍ يَقُولُ، وَهُوَ قَوْلُ عُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ الزُّبَيْرِ. قَالَ أَحْمَدُ: خَمْسَةٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - [2] .

وقد سبق مناقشته في الحديث عن القول القديم للشافعية.

وإنَّمَا اعْتَبَرَ تِسْعِينَ سَنَةً مِنْ يَوْمِ وِلَادَتِهِ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ لَا يَعِيشُ أَكْثَرَ مِنْ هَذَا الْعُمْرِ، فَإِذَا اقْتَرَنَ بِهِ انْقِطَاعُ خَبَرِهِ، وَجَبَ الْحُكْمُ بِمَوْتِهِ، كَمَا لَوْ كَانَ فَقْدُهُ بِغِيبَةٍ ظَاهِرُهَا الْهَلَاكُ. وَالْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ؛ لِأَنَّ هَذِهِ غَيْبَةٌ ظَاهِرُهَا السَّلَامَةُ، فَلَمْ يُحْكَمْ بِمَوْتِهِ، كَمَا قَبْلَ الْأَرْبَعِ سِنِينَ، أَوْ كَمَا قَبْلَ التِّسْعِينَ، وَلِأَنَّ هَذَا التَّقْدِيرَ بِغَيْرِ تَوْقِيفٍ، وَالتَّقْدِيرُ لَا يَنْبَغِي أَنْ يُصَارَ إلَيْهِ إلَّا بِالتَّوْقِيفِ؛ لِأَنَّ تَقْدِيرَهَا بِتِسْعِينَ سَنَةً مِنْ يَوْمِ وِلَادَتِهِ، يُفْضِي إلَى اخْتِلَافِ الْعِدَّةِ فِي حَقِّ الْمَرْأَةِ بِاخْتِلَافِ عُمْرِ الزَّوْجِ، وَلَا نَظِيرَ لِهَذَا، وَخَبَرُ عُمَرَ وَرَدَ فِي مَنْ ظَاهِرُ غَيْبَتِهِ الْهَلَاكُ، فَلَا يُقَاسُ عَلَيْهِ غَيْرُهُ [3] .

ردهم على الآخرين:

فَأَمَّا الْحَدِيثُ الَّذِي رَوَوْهُ عَنْ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - فَلَمْ يَثْبُتْ، وَلَمْ يَذْكُرْهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ. وَمَا رَوَوْهُ عَنْ عَلِيٍّ، فَيَرْوِيهِ الْحَكَمُ وَحَمَّادٌ مُرْسَلًا، وَالْمُسْنَدُ عَنْهُ مِثْلُ قَوْلِنَا، ثُمَّ يُحْمَلُ مَا رَوَوْهُ عَلَى الْمَفْقُودِ الَّذِي ظَاهِرُ غَيْبَتِهِ السَّلَامَةُ، جَمْعًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا رَوَيْنَاهُ. وَقَوْلُهُمْ: إنَّهُ شَكٌّ فِي زَوَالِ الزَّوْجِيَّةِ. مَمْنُوعٌ، فَإِنَّ الشَّكَّ مَا تَسَاوَى فِيهِ الْأَمْرَانِ، وَالظَّاهِرُ فِي مَسْأَلَتِنَا هَلَاكُهُ [4] .

(1) السنن الكبرى للبيهقي, مرجع سابق, (7/ 732) .

(2) المغني لابن قدامة, مرجع سابق, (8/ 131) .

(3) المرجع السابق, (8/ 131) .

(4) المغني لابن قدامة, مرجع سابق, (8/ 133) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت