المبحث الرابع
الترجيح
بالنظر إلى أقوال العلماء في قضية المفقود, واتفاقهم على ضرب المدة, ثم اختلافهم في تحديدها, وما لمسناه من أن سبب الاختلاف الذي كان حاصلًا في ذلك الوقت إنما كان مرجعه لتباين الأفهام, ومراعاة ظروف كل حالة بما يناسبها, بل إن بعضهم كالشافعي - رحمه الله - كان له في هذه المسألة قولان, كما مر بنا.
وليس من الحق أو العدل إعادة دراسة المسائل الفقهية الاجتهادية القديمة بمعزلٍ عن الواقع المعاصر؛ ذلك أن التطورات الحديثة في وسائل الاتصال والمواصلات وما وصل إليه العلم الحديث من تقنيات حديثة قد أثرت تأثيرًا بالغًا في الكثير من المسائل الفقهية التي درسها واجتهد فيها الفقهاء السابقون - رحمهم الله -.
إننا لو فعلنا ذلك فإن أول من ينكر علينا لو جاز لنا التعبير هم أولئك الفقهاء المبدعون, فما علينا إلا أن نبدأ من حيث انتهى أولئك العلماء, فنكون معاول بناء لا هدم, فلا نبقى عالة على إبداعات توالت عليها العصور, فننشأ بناء يرتكز على قواعد صلبة من تراث الأمة وأصالتها, ثم الأخذ بما هو متاح من معطيات العصر, طالما كان في دائرة النافع المباح وتكييفه بما ينسجم مع الشريعة ومقاصدها, بما يحقق التيسير ورفع الحرج عن المكلفين ويثبت عالمية الرسالة وخلودها, وصلاحيتها لكل زمان ومكان.
لذلك كله فإن الباحث وبعد ما عرضه في المبحث السابق, يخلص لما يأتي:
1 -لم يرد في كتاب الله ولا سنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - حكم على ما يجب فعله في حالة الفقدان، وما روي في ذلك عن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يثبت, مما يجعل هذه القضية خاضعة للاجتهاد الشرعي, الذي تتباين فيه الأفهام, وهذا من يسر الدين وسماحته.