قسم الحنابلة المفقود إلى قسمين أو نوعين بحسب حاله كما مر بنا, فكان لكل حالة أحكام تختص بها فيما يتعلق بالزوجة والأموال واعتبار المدة, وهي على النحو التالي:
النوع الأول: المفقود في غيبة ظاهرها السلامة: (كمن سافر في تجارة أو طلب علم, ويلحق به الأسير, لأنه معلوم كمن حاله أنه غير قادر على المجئ) :
وهو على ثلاثة أقوال:
القول الأول: ينتظر به تسعين سنة من يوم ولادته لان الغالب أن لا يعيش أكثر من هذه المدة, وهذا هو المذهب وقد نص عليه الإمام احمد [1] . وهي الرواية الأشهر عنه - رحمه الله -.
والثاني: أن ينتظر أبدا فلا يقسم ماله ولا تتزوج امرأته حتى يثبت يقين موته [2] , وهي الرواية الثانية عن الإمام أحمد - رحمه الله -. وهو ما ذهب إليه علي - رضي الله عنه - والثوري.
أما القول الثالث: أنه ينتظر به حتى يتيقن موته, أو تمضي عليه مدة لا يعيش من مثلها, وهو ما ذهب إليه أكثر العلماء.
فلا يُقَسَّمُ مَالُهُ، وَلَا تَتَزَوَّجُ امْرَأَتُهُ، حَتَّى يَتَيَقَّنَ مَوْتُهُ، أَوْ يَمْضِيَ عَلَيْهِ مُدَّةٌ لَا يَعِيشُ مِثْلَهَا، وَذَلِكَ مَرْدُودٌ إلَى اجْتِهَادِ الْحَاكِمِ. وَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ - رضي الله عنه - وَمُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ، وَهُوَ الْمَشْهُورُ عَنْ مَالِكٍ، وَأَبِي حَنِيفَةَ، وَأَبِي يُوسُفَ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ حَيَاتُهُ، وَالتَّقْدِيرُ لَا يُصَارُ إلَيْهِ إلَّا بِتَوْقِيفٍ، وَلَا تَوْقِيفَ هَاهُنَا، فَوَجَبَ التَّوَقُّفُ عَنْهُ, وَلِأَنَّ هَذَا التَّقْدِيرَ بِغَيْرِ تَوْقِيفٍ، وَالتَّقْدِيرُ لَا يَنْبَغِي أَنْ يُصَارَ إلَيْهِ إلَّا بِالتَّوْقِيفِ؛ أي بنص وهو منتف هنا.
(1) كشاف القناع للبهوتي , مرجع سابق, (4/ 465) .
(2) الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف, علاء الدين أبو الحسن المرداوي الدمشقي الصالحي, دار إحياء التراث العربي- بيروت, الطبعة الأولى: 1419 هـ, (7/ 335) .