طالب رضي الله عنه قال: قلت يا رسول الله: إن عرض لي أمر لم ينزل فيه قضاء في أمره ولا سنة كيف تأمرني؟ قال: تجعلونه شورى بين أهل الفقه والعابدين من المؤمنين، ولا تقضي فيه برأيك خاصة" [1] ."
وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه إذا لم يجد في المسألة كتابا ولا سنة ولا قضاء من أبي بكر دعا رؤوس المسلمين وعلماءهم فاستشارهم فإذا اجتمع رأيهم على أمر قضى به [2] .
وقد حرص عمر رضي الله عنه على أن يكون هذا المنهج الجماعي في الاجتهاد هو الأسلوب الذي ينبغي أن يسير عليه ولاة الأمور في الأقاليم، فقد كان يوصي ولاته باتباع هذا الأسلوب ومن ذلك ما قاله لشريح .. وروى الدارمي عن المسيب بن رافع قال: كانوا إذا نزلت بهم قضية ليس فيها من رسول الله صلى الله عليه وسلم أثر اجتمعوا لها وأجمعوا فالحق فيما رأوا فالحق فيها رأوا" [3] ."
يقول الإمام مالك رحمه الله: إن عمر بن الخطاب وعامة خيار الصحابة رضي الله عنهم كانت ترد عليهم المسائل وهم خير القرن الذي بعث فيهم النبي صلى الله عليه وسم وكانوا يجمعون أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ويألون ثم حينئذ يفتون فيها بمعنى [4] أنه إذا نزلت نازلة أو واقعة ليس عندهم فيها نص عن الله تعالى ولا عن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم جمعوا لها الصحابة ثم جعلوها شورى بينهم عملا بقوله تعالى: (وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ) [5] وقوله سبحانه: (وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ) [6] .
الحاجة إلى الاجتهاد الجماعي في هذا العصر:
هناك أسباب عديدة تدعونا في هذا العصر إلى العودة إلى الاجتهاد الجماعي: ومن هذه الأسباب ما يلي:
1 -تعذر توفر شروط الاجتهاد المطلق في أفراد العلماء، فلقد تبين أن الشروط التي نص عليها علماء الأصول لتحقق الاجتهاد الفردي يندر إن لم يتعذر توافرها اليوم.
2 -اتسام مشكلات العصر بالتشابك والتعقيد والصعوبة الكبيرة في الوصول إلى الحكم الشرعي فيها باجتهاد فردي مثل مسائل التأمين وتحديد النسل وزراعة
(1) جامع بيان العلم وفضله 2/ 852 - 853.
(2) السنن الكبرى للبيهقي 10/ 414.
(3) سنن الدارمي (115) .
(4) إعلام الموقعين 1/ 84.
(5) الشورى 38.
(6) آل عمران 159.