وأول كتاب جمع في فتاواهم كتاب النوازل لنصر بن محمد بن أحمد أبي الليث السمرقندي (ت 373 هـ) . وكذلك كتاب"العيون"له، فإنه جمع صور فتاوى جماعة من المشايخ ممن أدركهم بقوله:"سئل أبو القاسم في رجل كذا أو كذا فقال: كذا وكذا، سئل محمد بن سلمة عن رجل كذا وكذا فقال: كذا وكذا، وهكذا ..".
لا يكفي المفتي المقلد أن يفتي في مسألة بقول، بناء على أن فلانا من أصحابه قال بذلك، بل لا بد من أن يعرف مرتبته عند علماء المذهب، ويكون"على بصيرة وافية في التمييز بين القائلين المختلفين وقدرة كافية في الترجيح بين القولين المتعارضين".
والأحناف من حيث مرتبتهم العلمية حسب تقسيم ابن كمال باشا ست طبقات:
الطبقة الأولى: طبقة المجتهدين في المذهب، كأبي يوسف يعقوب بن إبراهيم (ت 182 هـ أو 181 هـ) ، ومحمد بن الحسن الشيباني (ت 189 هت) ، وسائر أصحاب أبي حنيفة، القادرين على استخراج الأحكام من الأدلة على مقتضى القواعد التي قررها أبو حنيفة، فإنهم وإن خالفوه في بعض الأحكام الفروعية، لكنهم يقلدونه في قواعد الأصول.
الطبقة الثانية: طبقة المجتهدين في المسائل التي لا رواية فيها عن أبي حنيفة، كأحمد بن عمرو أبي بكر الخصاف (ت 261 هـ) ، وأحمد بن محمد بن سلامة أبي جعفر الطحاوي المتوفى سنة (321 هـ) ، وعبيد الله بن الحسين أبي الحسن الكرخي (ت 340 هـ) ، وعبد العزيز بن أحمد شمس الأئمة الحلوائي (ت 448 أو 449 هـ) ، ومحمد بن أحمد أبي بكر شمس الأئمة السرخسي (ت 483 هـ) ، وأبي الحسن على بن محمد فخر الإسلام البزدوي (ت 482 هـ) ، والحسن بن منصور بن محمود فخر الدين قاضي خان (ت 592 هـ) ، وصاحب"الذخيرة"و"المحيط البرهاني". الصدر برهان الدين محمود بن أحمد بن عبد العزيز بن مازة البخاري (ت 616 هـ) ، وطاهر بن أحمد بن عبد الرشيد البخاري (ت 542 هـ) ، وأمثالهم، فإنهم لا يقدرون على مخالفة أبي حنيفة لا في الأصول ولا في الفروع، لكنهم يقدرون على الاجتهاد في المسائل التي لا نص فيها عنه، على حسب أصول قررها، ومقتضى قواعد بسطها.
الطبقة الثالثة: طبقة أصحاب التخريج من المقلدين كأحمد بن علي أبي بكر الرازي الجصاص (ت 370 هـ) وأمثاله، فإنهم لا يقدون على الاجتهاد أصلا، لكنهم لإحاطتهم بالأصول وضبطهم للمأخذ يقدرون على تفصيل قول مجمل ذي وجهين، وحكم مبهم محتمل لأمرين، منقول عن صاحب المذهب، أو واحد من أصحابه المجتهدين برأيهم ونظرهم في الأصول، والمقايسة على أمثاله ونظائره من الفروع. وما وقع في بعض المواضع من"الهداية"من قوله:"كذا في تخريج الرازي": من هذا القبيل.
الطبقة الرابعة: طبقة أصحاب التخريج من المقلدين كأحمد بن محمد أبي الحسين القدوري- بضم القاف- المتوفى سنة (428 هـ) ، وصاحب كتاب"الهداية"علي بن أبي بكر المرغيناني (ت 593 هـ) ، وأمثالهما، وشأنهم تفضيل بعض الروايات على بعض آخر، بقولهم:"هذا أولى"، و"هذا أصح رواية"، و"أوضح دراية"، و"هذا أوفق للقياس"و"هذا أرفق للناس".
ومن أهل التخريج من هذه الطبقة كذلك ابن الهمام، كمال الدين محمد بن عبد الواحد، صاحب"فتح القدير" (ت 861 هـ) ، ومحمد بن يحيى بن مهدي أبو عبد الله الجرجاني (ت 398 هـ) .
الطبقة الخامسة: طبقة المقلدين القادرين على التمييز بين الأقوى والقوي، والضعيف، وظاهر الرواية، والرواية النادرة، كأصحاب المتون المعتبرة، كصاحب"كنز الدقائق"عبد الله بن أحمد