رأي ذلك المذهب. بل لابد، قبل التعامل مع أي تراث مذهبي، من الرجوع إلى الكتب التي تعرف به، وتبين اصطلاحاته، وتحدد مصادره المعتمدة من غير المعتمدة.
ولقد ألف بعض المالكية كتبا في التعريف بمذهبهم، وفريق منهم صنعوا ذلك في مقدمات كتبهم الفقهية .. من هؤلاء العلماء: ابن فرحون في كتابه «كشف النقاب الحاجب من مصطلح ابن الحاجب» ، وإبراهيم اللقاني في كتابه «منار أصول الفتوى وقواعد الإفتاء بالأقوى» ، ومحمد بن محمد الحطاب في مقدمة كتابه «مواهب الجليل لشرح مختصر خليل» ، وأحمد بن عبد العزيز الهلالي في أول كتابه «نور البصر شرح المختصر» ، ومحمد النابغة الغلاوي الشنقيطي في منظومته المسماة «بو طليحية» ..
واهتم بالتعريف بالمذهب المالكي من المحدثين الأستاذ محمد بن الحسن الحجوي في الجزء الثاني من كتابه «الفكر السامي في تاريخ الفقه الإسلامي» ، والشيخ محمد الفاضل بن عاشور في كتابيه «أعلام الفكر الإسلامي في تاريخ المغرب العربي» و «ومضات فكر» ، والدكتور عمر الجيدي في كتابيه «محاضرات في تاريخ المذهب المالكي في الغرب الإسلامي» و «مباحث في المذهب المالكي بالمغرب» ، والدكتور ميكلوش موراني في كتابه «دراسات في مصادر الفقه المالكي» ، والدكتور محمد رياض في كتابه «أصول الفتوى والقضاء في المذهب المالكي» ، والدكتور محمد إبراهيم أحمد علي في كتابه «اصطلاح المذهب عند المالكية» ، والدكتور محمد العلمي في أطروحته «التصنيف الفقهي في المذهب المالكي: تاريخه وقضاياه المنهجية - الخلاف العالي نموذجا ... » ..
وليس قصدي في هذه الدراسة كقصد هؤلاء العلماء والباحثين وغيرهم ممن رام استقصاء إنتاج المالكية وذكر مصادره المعتمدة بتفصيل .. وإنما هدفي هو بيان ما تمس إليه حاجة الباحثين في المذهب المالكي، وإيضاح المداخل الأساسية لدراسته. وبالله بالتوفيق:
الأمهات والدواوين هي الكتب المحتوية على المسائل التي عليها اعتماد علماء المذهب المالكي. أما الأمهات فهي: «المدونة» ، و «المستخرجة» ، و «الموازية» ، و «الواضحة» . وأما الدواوين فهي هذه الأمهات الأربعة، و «المبسوط» ، و «المجموعة» .
-المدونة: هو الكتاب الذي رواه عن عبد الرحمن بن القاسم (ت 191 هـ) أبو سعيد عبد السلام بن سعيد المشهور بـ سحنون (ت 240 هـ) . وأصله لأبي عبد الله أسد بن الفرات (ت 213 هـ) .. كانت بيده كتب أبي حنيفة، فذهب بها إلى مصر .. ولقي عبد الرحمن بن القاسم، صاحب الإمام مالك، وسأله أن يجيب فيها على مذهب مالك .. فأجاب بما حفظ عن مالك بقوله، وفيما شك قال: أخال وأحسب وأظن .. ومنه ما قال فيه: سمعته يقول في مسألة كذا: كذا، ومسألتك مثله .. ومنه ما قال فيه باجتهاده على أصل قول مالك.
ورجع أسد بهذه الكتب التي سميت بـ «الأسدية» إلى القيروان، وحصلت له بها رئاسة العلم ..
ثم لما وصلت هذه الكتب إلى سحنون ارتحل بها إلى ابن القاسم فعرضها عليه، فقال له ابن القاسم: فيها شيء لابد من تغييره. وأجاب عما كان شك فيه، واستدرك منها أشياء كثيرة، لأنه كان أملاها على أسد من حفظه .. وكتب إلى أسد: أن عارض كتبك بكتب سحنون .. فلم يفعل ذلك أسد .. فيروى أن ابن القاسم لما بلغه امتناع أسد، قال: اللهم لا تبارك في الأسدية ..
ثم نظر سحنون، بعد رجوعه إلى القيروان في هذه الكتب «نظرا آخر، فهذبها، وبوبها، ودونها، وألحق فيها من خلاف كبار أصحاب مالك ما اختار ذكره، وذيل أبوابها بالحديث والآثار، إلا كتبا