فهرس الكتاب

الصفحة 3 من 38

معاني الآثار للطحاوي، والسنن الكبرى للبيهقي، وسنن سعيد بن منصور .. كما تحصل الفائدة في هذا الصدد بالرجوع إلى الموطأ، لأن مؤلفه الإمام مالكا اعتنى فيه بإيراد كثير من أقوال الصحابة ومن أتى بعدهم من فقهاء المدينة وأئمتهم.

أما فقهاء الأمصار الذين اندثرت مذاهبهم، فكل واحد منهم: الأعرف بآرائه أهل بلده. وإذا كان قرينا لإمام من الأئمة المتبوعين وبلديه، فإن أتباع هذا الإمام هم الأدرى بآرائه. فمثلا: أعلم الناس بآراء ابن أبي ليلى أتباع أبي حنيفة، خاصة أبا يوسف تلميذهما معا: فابن أبي ليلى كان قرينا لأبي حنيفة في الفقه، وكانا يقطنان معا بالكوفة. ولذلك نجد السرخسي في المبسوط يحتفل بذكر آراء ابن أبي ليلى مقرونة غالبا بأدلتها، ويحرص في بعض الأحيان على التنصيص على بعض القواعد الفقهية والأصولية التي اعتمدها ابن أبي ليلى في الاستنباط. بل تراه في المبسوط يلخص كتاب"اختلاف أبي حنيفة وابن أبي ليلى"، لأبي يوسف.

إن الباحث - باعتماده على كتب الخلاف- يكون أبعد عن التحقيق العلمي، إذا تعلق الأمر بالأئمة الأربعة، أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد، فمن غير اللائق به -مثلا- أن يعتمد في نقل رأي أبي حنيفة أو مالك أو الشافعي على"المغني"لابن قدامة، بل الأجدر به أن ينقل كل رأي من المصادر المعتمدة لدى كل مذهب.

نعم، يمكن له أن يعتمد على المغني في نقل مذهب أحمد بن حنبل، لأن ابن قدامة حنبلي، ويشرح في كتابه"المغني"مختصرا معتمدا عند الحنابلة، وهو مختصر الخرقي.

لا مناص -إذن- للباحث من تحري الصحة في النقل، والأمانة في عزو الأقوال إلى أصحابها؛ وذلك بالرجوع في معرفة رأي كل مذهب إلى مظانه.

ولكن التعامل مع كتب المذاهب ليس بالأمر الهين، لأن ذلك يحتاج إلى معرفة بمداخل كل مذهب. فليس كل فقيه وإن كان طويل الباع في الفقه معتمدا في نقل ما عليه الفتوى في المذهب الذي ينتمي إليه. وليس كل كتاب، وإن كان مؤلفه جليل القدر، يصح أن ينقل منه ما عليه مذهب إمامه.

وهناك أمر بالغ الأهمية في هذا الصدد: وهو أن الباحث إذا لم يعرف مداخل كل مذهب الذي يعرفه بمصطلحاته، والكتب المعتمدة فيه، قد ينسب قولا إلى إمام المذهب، وهو لم يقل به؛ لأن كثيرا من الآراء الموجودة في كتب الفروع المنسوبة لإمام معين هي مخرجة على أصوله من قبل أتباعه. فهي تنسب إليه بهذا الاعتبار، وإن لم يقلها.

وأود أن أعطي هنا إضاءات يسترشد بها الباحث الناشئ للتعرف على هذه المداخل. وبالله التوفيق.

ما كتبه الأحناف بخصوص التعريف بمذهبهم ليس كثيرا، وعادة ما يكون ذلك في مقدمات كتبهم بعنوان"رسم المفتي":

من ذلك ما كتبه الحسن بن منصور بن محمود الأوجندي المعروف بقاضي خان في مقدمة كتابه"الفتاوى"، وتقي الدين التميمي في أول كتابه"الطبقات السنية في تراجم الحنفية"، وعبد الحي بن محمد اللكنوي في مستهل كتابه"النافع الكبير لمن يطالع الجامع الصغير"، وكتابه"الفوائد البهية في تراجم الحنفية"وغيرها ...

ولمحمد أمين بن عمر المعروف بابن عابدين منظومة نفيسة نافعة سماها"عقود رسم المفتي"، وشرحها بنفسه في كتاب صغير الحجم بعنوان"شرح عقود رسم المفتي".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت