إن الإنتاج الفقهي المالكي - بالرغم من الجهود المبذولة التي ذكرت بعضها في أول الحديث- يحتاج إلى دراسة داخلية للمؤلفات الفقهية في المذهب المالكي، ورصد تطور المذهب: أعني أن دراسة محتويات هذه المؤلفات دراسة تفصيلية له فائدة علمية عظيمة. ذلك أن تراث المذهب المالكي له سمات خاصة تميزه عن غيره من المذاهب الثلاثة الأخرى. وأهمها ثلاث:
الأولى: أن المالكية -لاسيما بالغرب الإسلامي- اعتنوا بالفروع أكثر من اعتنائهم بأصولها، والسبب في ذلك أن المذهب المالكي كان يعتلي كرسي الزعامة لا ينافسه عليه أي مذهب آخر، خاصة في المغرب الأقصى والأندلس، مما أعفى الفقهاء من الاحتفال بالتأصيل لمذهبهم والاحتجاج له احتفال أصحاب المذاهب الأخر ى. ولذلك نجد نظار المذهب المالكي موجودين بالعراق، حيث سوق التنافس المذهبي نافقة، فنجد مثلا القاضي إسماعيل، وأبا بكر الأبهري، والباقلاني، وابن القصار، والقاضي عبد الوهاب .. فهؤلاء ونظراؤهم هم الذين نصروا المذهب، واحتجوا له، وناظروا أتباع المذاهب الأخرى بالعراق، لوجود تنافس مذهبي هناك.
السمة الثانية: أن المالكية توسعوا في التأليف في فقه التوثيق المرتبط بمعاش الناس وحاجاتهم اليومية، وفقه القضاء والنوازل ..
وهذا اللون من التأليف لا يجارى فيه المالكية، لاسيما أهل الأندلس مما يجعل دراسة هذا التراث دراسة داخلية - بعد إخراجه محققا تحقيقا علميا - أمرا بالغ الأهمية.
السمة الثالثة: أن كثيرا من الفقهاء المالكية - إن لم نقل أكثرهم - بعد القرن الثامن قصروا جهودهم العلمية على كتاب واحد، هو مختصر الشيخ خليل بن إسحاق. بل آل الحال في الأزمنة المتأخرة من تاريخ المذهب المالكي إلى أن اقتصر المغاربة عليه وعلى رسالة ابن أبي زيد القيرواني.
لقد اعتنى بعض الشافعية في مقدمات كتبهم بما يُعرَّف بمذهب إمامهم، كالإمام النووي في"المجموع"، وشمس الدين الرملي في"نهاية المحتاج"، وابن حجر الهيتمي في"تحفة المحتاج"، ومحمد الخطيب الشربيني في"مغني المحتاج".. كما احتفل المعاصرون احتفالا بالغا بالإمام الشافعي وبالتعريف بمذهبه، فألفت في ذلك كتب كثيرة، على رأسها كتاب للشيخ محمد أبي زهرة بعنوان:"الشافعي: حياته وعصره، آراؤه وفقهه".
وللدكتور أحمد نحراوي الأندونيسي كتاب بعنوان:"الإمام الشافعي في مذهبيه القديم والجديد".
ومن أجمع ما اطلعت عليه كتاب الدكتور أكرم يوسف عمر القواسمي، وعنوانه"المدخل إلى مذهب الإمام الشافعي".
ولكاتب هذه السطور إسهام في التعريف بمذهب هذا الإمام، يخص ظاهرة من ظواهر مذهبه، وهي ظاهرة القديم والجديد، وذلك في بحث بعنوان:"القديم والجديد في فقه الشافعي".