لا محالة، ولذلك قال عليه السلام [1] : إذا سمعتم الجبل زال عن مكانه فصدقوه، وإذا سمعتم المرأ زال عما جبل هو عليه فلا تصدقوه، أو كما قال وإذا كان كذلك والتكليف إنما دار أمره على كمال العقل، وهو أوان البلوغ فيتوجه الخطاب إذًا، وبعد توجه الخطاب إذا أظهر معاصيه، وبرز ما كان كامنًا فيه يؤخذ عليه لأنه عصيان، وأما [2] قبل ذلك فلا مؤاخذة عليه لكمون الفسق
(1) كما في المشكاة برواية أحمد عن أبي الدرداء، قال: بينما عند رسول الله -صلى الله عليه وسلم- تتذاكر ما يكون إذا قال رسول -صلى الله عليه وسلم-: إذا سمعتم بجبل زال عن مكانه فصدقوه، وإذا سمعتم برجل تغير عن خلقه فلا تصدقوا به، فأنه يصير إلى ما جبل عليه، قال القارى: قوله: فصدقوه أي لا مكانة، بل حكى وقوعه كما قيل: إن بعض جبال المغرب سار عن محله مسافة طويلة، وقوله: عن خلقه بضم اللام وتسكن، أي خلقه الأصلي بالكلي، فلا تصدقوا بهذا الخبر، فأنه غير ممكن عادة، ولذا قال تعالى: {وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ} ولم يقل: والعادمين، ثم أشكل بأن مدار الصوفية على تبديل الأخلاق فكيف هذا الحديث؟ وبسط في الجواب ليس هذا محله، فارجع إليه لو شئت.
(2) وأوضحه الشيخ في تقريره على أبى داود بأوضح من ذلك، كما حكاه شيخنا في البذل إذ قال: كتب مولانا محمد يحي المرحوم: كان الكفر كامنًا فيه حتى لو بقي حيًا لأظهره، ولا مؤاخذة عليه ما دام كامنًا، وذلك كما يربى المرؤ جرو ذئب مع علمه بما كمن فيه من الافتراس ولا يؤاخذه على ما كمن فيه، ويعطف عليه ويشربه لبنًا، حتى إذا كبر وافترس شأنه وابنه جعل يقطع لحمه قطعًا قطعًا، فكذلك في الكفر لا يجازي ما لم يظهره، ولا معتبر بما يظهره في صغره، لعدم اعتداد الشرع بأقواله إذا. وقد ولد على ما أقره حين سئل: ألست بربكم؟ فلو مات على الفطرة ولم يظهر كامنة كان غير مأخوذ به، انتهى. قلت قوله: لو مات على الفطرة إشارة إلى الجمع بين حديث الباب وحديث الفطرة، وفيه أقوال أخر ستأتي قريبًا.