ذكر سبحانه وتعالى ذلك في قوله (ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله وتلك الأيام نداولها بين الناس وليعلم الله الذين آمنوا ويتخذ منكم شهداء والله لا يحب الظالمين وليمحص الله الذين آمنوا ويمحق الكافرين) فجمع لهم في هذا الخطاب بين تشجيعهم وتقوية نفوسهم وإحياء عزائمهم وهممهم وبين حسن التسلية وذكر الحكم الباهرة التي اقتضت إدالة الكفار عليهم فقال (إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله) فقد استويتم في القرح والألم وتباينتم في الرجاء والثواب كما قال (إن تكونوا تألمون فإنهم يألمون كما تألمون وترجون من الله ما لا يرجون) فما بالكم تهنون وتضعفون عند القرح والألم فقد أصابهم ذلك في سبيل الشيطان وأنتم أصبتم في سبيلي وابتغاء مرضاتي ثم أخبر أنه يداول أيام هذه الحياة الدنيا بين الناس وأنها عرض حاضر يقسمها دولا بين أوليائه وأعدائه بخلاف الآخرة فإن عزها ونصرها ورجاءها خالص للذين آمنوا ثم ذكر حكمة أخرى وهي أن يتميز المؤمنون من المنافقين فيعلمهم علم رؤية ومشاهدة بعد أن كانوا معلومين في غيبه وذلك العلم الغيبي لا يترتب عليه ثواب ولا عقاب وإنما يترتب الثواب والعقاب على المعلوم إذا صار مشاهدا واقعا في الحسن ثم ذكر حكمة أخرى وهي اتخاذه سبحانه منهم شهداء فإنه يحب الشهداء من عباده وقد أعد لهم أعلى المنازل وأفضلها وقد اتخذهم لنفسه فلا بد أن ينيلهم درجة الشهادة وقوله (والله لا يحب الظالمين) تنبيه لطيف الموقع جدا على كراهته وبغضه للمنافقين الذين انخذلوا عن نبيه يوم أحد فلم يشهدوه ولم يتخذ منهم شهداء لأنه لم يجبهم فأركسهم وردهم ليحرمهم ما خص به المؤمنين في ذلك اليوم وما أعطاه من استشهد منهم فثبط هؤلاء الظالمين عن الأسباب التي وفق لها أولياءه وحزبه ثم ذكر حكمة أخرى فيما أصابهم ذلك اليوم وهو تمحيص الذين آمنوا و تنقيتهم وتخليصهم من الذنوب ومن آفات النفوس وأيضا فإنه خلصهم ومحصهم من المنافقين فتميزوا منهم فحصل له تمحيصان تمحيص من نفوسهم وتمحيص ممن كان يظهر أنه منهم وهو عدوهم ثم ذكر حكمة أخرى وهي محق الكافرين بطغيانهم وبغيهم وعدوانهم ثم أنكر عليهم حسبانهم وظنهم أن يدخلوا الجنة بدون الجهاد في سبيله والصبر على أذى أعدائه وأن هذا ممتنع بحيث ينكر على من ظنه وحسبه فقال (أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين) أي ولما يقع ذلك منكم فيعلمه فإنه لو وقع لعلمه فجازاكم عليه ... إلى غير ذلك من الفوائد الجمة التي يطول المقام بنقلها فمن أراد أن يرجع إليها فهي في الجزء3الصفحة218ـــ240
وأقول والله الذي لا إله غيره لو لم يكن من فوائد المصاب الذي أصاب الصحابة يوم أحد إلا ما قاله ابن القيم في تعزية الله للمؤمنين لكفى فمن أنت يا عبدالله لكي يعزيك جبار السماوات والأرض .. ؟؟!!
قال ابن القيم: