إني سمعته يقول: بادروا بالموت ستًا إمرة السفهاء وكثرة الشرط وبيع الحكم .... الحديث وأخرج أحمد أيضا من حديث عوف بن مالك نحوه، وأنه قيل له ألم يقل رسول الله صلى الله عليه وسلم ما عُمّرَ المسلم كان خيرا له .... الحديث وفيه الجواب نحوه، وأصرح منه في ذلك حديث معاذ [1] الذي أخرجه أبو داود وصححه الحاكم في القول في دبر كل صلاة وفيه [وإذا أردت بقوم فتنة فتوفني غير مفتون] قوله فإن كان لا بد فاعلا في رواية عبد العزيز ابن صهيب عن أنس كما سيأتي في الدعوات فإن كان ولا بد متمنيا للموت قوله فليقل إلخ وهذا يدل على أن النهي عن تمني الموت مقيد بما إذا لم يكن على هذه الصيغة لأن في التمني المطلق نوع اعتراض ومراغمة للقدر المحتوم وفي هذه الصورة المأمور بها نوع تفويض وتسليم للقضاء، وقوله فإن كان الخ فيه ما يصرف الأمر عن حقيقته من الوجوب أو الاستحباب إلى آخر ما قال ابن حجر رحمه الله.
ومن أدلة جواز ذلك بل فضله جميع الأدلة التي فيها الدعاء بطلب الشهادة من الله في سبيله، والشهادة موت كما هو معلوم، ولم يقل أحد إن هذا من تمني الموت المذموم بل هو المحمود لأنه في سبيل الدين ونصرته، لذا جاء عند البخاري باب ما جاء في التمني ومَن تمنى الشهادة، حدثنا سعيد بن عفير حدثني الليث حدثني عبد الرحمن بن خالد عن ابن شهاب عن أبي سلمة وسعيد ابن المسيب أنَّ أبا هريرة قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: [والذي نفسي بيده لولا أن رجالا يكرهون أن يتخلفوا بعدي ولا أجد ما أحملهم ما تخلفت، لوددت أني أقتل في سبيل الله ثم أحيا ثم أقتل ثم أحيا ثم أقتل ثم أحيا ثم أقتل] وقال حدثنا عبد الله بن يوسف أخبرنا مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: [والذي نفسي بيده وددت أني أقاتل في سبيل الله فأقتل ثم أحيا ثم أقتل ثم أحيا ثم أقتل ثم أحيا ثم أقتل .. فكان أبو هريرة يقولهن ثلاثا أشهد بالله] وجاء في صحيح مسلم باب استحباب طلب الشهادة في سبيل الله تعالى حدثنا شيبان بن فروخ حدثنا حماد بن سلمة حدثنا ثابت عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [من طلب الشهادة صادقا أعطيها ولو لم تصبه] وقال: حدثني حرملة بن يحيى واللفظ لحرملة قال أخبرنا وقال حرملة حدثنا عبد الله بن وهب حدثني أبو شريح أن سهل بن أبي أمامة بن سهل بن حنيف حدثه عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: [من سأل الله الشهادة بصدق بلغه الله منازل الشهداء وإن مات على فراشه] ولم يذكر في حديثه بصدق.
وهذا لا شك أنه تَمَنٍّ للموت صدر من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وأمر به ورغب فيه ولكنه في ذات الله فهو - صلى الله عليه وسلم - الذي نهى عن ذلك إن كان بسبب الدنيا أو الضجر من الحياة.
(1) 1 - أخطأ ابن حجر رحمه الله حيث جعل جملة (وإذا أردت .... ) من حديث معاذ في القول في دبر كل صلاة وهي ليست فيه بل في حديث آخر لمعاذ - رضي الله عنه - عند الترمذي (3235) ولم يرد التقييد فيه بدبر كل صلاة.