الصفحة 113 من 323

أصلحك اللهُ قد فرغنا، فسكت، فقلت: ما هذا الذي فرغوا منه؟ قال: الحمام، قلتُ: و كيف؟ قال: اخلوه لي، قلتُ: لقد كنت وقعت من نفسي موقعا عظيما، حتى سمعت هذا الآن، فذُعِر واسترجع, وقال: وما في ذلك يا عمُّ - يرحمك الله-؟ قلت: الحمام لك, قال: لا، قلت: فما دعاك أن تخرج الناسَ منه, كأنك تريد بذلك أن ترفع نفسك فوقهم، وأن تجعل لها قدرًا يعلو على أقدارهم, ثم إنك تؤذي صاحبَ الحمام في غلَّة يومه، وتُرجع من أتى حمَّامه خائبا، قال: أما صاحب الحمام فأنا أرضيه، وأعطيه غلَّة يومه كلَّها، قلتُ: هذه نفقة سرف خالطها كِبرٌ، وما يمنعك أن تدخل الحمام مع الناس, وأنت كأحدهم؟ قال: يمنعني من ذلك: أن طائفة من رعاع الناس بغير أُزُر, فأكره رؤيةَ عوراتهم، وأكره أن أجبرهم على وضع الأُزر, فيأخذون ذلك عليَّ, على أنه اقتدارٌ مني عليهم بسلطان, الذي أسأل الله أن يخلِّصنا منه كفافا, لا لنا ولا علينا، فعِظني رحمك الله عظةً أنتفع بها, واجعلْ لي مخرجا من هذا الأمر، قلت: انتظِر حتى يخرج الناسُ من الحمام ليلا, ويعودوا إلى بيوتهم, ثم أدخله وحدك، قال: لا جرم، لا أدخله نهارا بعد اليوم، ولولا شدَّة برد هذه البلاد, ما دخلته أبدا, وقال: أقسمتُ عليك لتطوِينَّ هذا الخبرَ عن أبي، إني أكره أن يظلَّ ساخطا عليَّ، وإني لأخشى أن يحول الأجل دون الرضا منه.

قال ميمون: فأردتُ بعد ذلك أن أسْبِر عقلَه, فقلت له: إن سألني أميرُ المؤمنين: هل رأيتَ منه شيئا؟ فهل ترضى ليَ أن أكذب عليه؟ قال: لا، معاذ الله، ولكن قل له: رأيتُ منه شيئا فوعظتُه, وكبَّرتُه في عينه, فسارع في الرجوع عنه، فإن أبي لا يسألك عن كشف ما لم تظهره له، قال: لأن الله عز وجل قد أعاذه من البحث عما استتر، قال ميمون: فلم أرَ والدا قط, ولا ولدا مثلهما, يرحمهما اللهُ عز وجل )) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت