فهرس الكتاب
قد سمعتُ أبي يذكرك بما أنت أهلٌ له من الخير، وإني لأرجو أن ينفع اللهُ بك، فقلتٌ له: كيف أجدك؟ فقال: بخير من الله عز وجل و نعمة، غير أني أخشى أن يكون غرَّني حسنُ ظن والدي بي، وأنا لم أبلغ من الفضل كل ما يظنُّ، وإني لأخاف أن يكون حبُّه لي قد غلبه على معرفته بي, فأكون آفةً عليه، فعجبتُ من اتِّفاقهما! ثم قلتُ له: أعلمني من أين معيشتُك؟ قال: من غلَّة أرض اشتريتها ممن ورثها عن أبيه، ودفعتُ ثمنها من مالٍ لا شبهة فيه، فاستغنيتُ بذلك عن فيء المسلمين, قال: فما طعامُك؟ قال: ليلةً لحمٌ، وليلةً عدسٌ وزيت، وليلة خلٌّ وزيت، قلت له: أما تعجبك نفسُك؟ قال: قد كان فيَّ شيء من ذلك، فلما وعظني أبي, بصَّرني بحقيقة نفسي، وصغَّرها عندي، وحطَّ من قدرها في عيني، فنفعني اللهُ عز وجل بذلك، فجزاه اللهُ من والدٍ خيرا، فقعدتُ ساعة أحدِّثه، وأستمتع بمنطقه، فلم أرَ فتًى كان أجمل وجهًا، ولا أكمل عقلا، ولا أحسن أدبا منه على حداثة سنِّه، وقلَّة تجربته، فلما كان آخرُ النهار أتاه غلامٌ, فقال: