الصفحة 111 من 323

* ما هي مضمون الرسالة التي أرسلها عمر لابنه حينما آثر البقاء على الثغور, ومع من أرسلها, وكيف وجد هذا المرسل عبد الملك؟

الآن مشهد جديد في القصة؛ عبد الملك بن عبد العزيز آثر أن يبقى على الثغور, في قرية على حدود البلاد، عن أن يبقى في بلاد الشام، فمضى إليها، وخلَّف وراءه دمشق ذات الرياض النظرة، والظلال الظليلة، والأنهار السبعة، وكان أبوه على الرغم من كل ما عرفه؛ من صلاحه وتقاه خائفًا عليه من نزعات الشيطان، كثير الإشفاق عليه من نزوات الشباب، حريصا على أن يعلم من أمره كل ما يجوز له أن يعلم، وكان لا يغفل عن ذلك أبدا، ولا يهمله.

حدَّث ميمونُ بن مهران وزيرُ عمر بن عبد العزيز وقاضيه ومستشاره, فقال: (( دخلتُ على عمر بن عبد العزيز، فوجدتُه يكتب رسالة إلى ابنه عبد الملك، يعظُه فيها، وينصحه، ويبصِّره، ويحذِّره، وينذره، ويبشِّره، وكان مما جاء فيها قولُه:

أما بعد؛ فإنّ أحقَّ مَن وَعَى عنِّي وفَهِم قولي لأنت, وإنّ اللهَ وله الحمدُ قد أحسن إلينا في صغير الأمر وكبيره، فاذكُر يا بنيَّ, فضلَ الله عليك وعلى والديك، وإياك والكِبر والعظمة، فإنها من عمل الشيطان، وهو للمؤمنين عدوٌّ مبين، واعلم أني لم أبعث إليك بكتابي هذا لأمرٍ بلغني عنك، فما عرفتُ من أمرك إلا خيرا، غير أنه بلغني عنك شيءٌ من إعجابك بنفسك، ولو أن هذا الإعجاب خرج بك إلى ما أكره, لرأيتَ مني ما تكره.

قال ميمونُ: ثم التفت إليَّ عمرُ, وقال: يا ميمون, إن ابني عبد الملك قد زُيِّن في عيني، وإني أتَّهم نفسي في ذلك، وأخاف أن يكون حبِّي له قد غلب على علمي به، وأدركني ما يدرك الآباء من العمى عن عيوب أبناءهم، قال له: فَسِرْ إليه, واسبِرْ غورَه وانظُر, هل ترى فيه ما يشبه الكبرَ والفخر, فإنه غلام حدَثٌ, ولا آمنُ عليه الشيطان؟ قال ميمون: فشددتُ الرحالَ إلى عبد الملك, حتى قدمتُ عليه, فاستأذنتُ ودخلتُ، فإنه غلام في مقتبل العمر، رَيَّانُ الشباب، بهيُّ الطَّلعة، جمُّ التواضع، قد جلس على حاشية بيضاء فوق بساط من شَعر، فرحَّب بي ثم قال:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت