الصفحة 124 من 323

راعه من هذا الصحابي الجليل صلابتُه في دينه - سيدنا علي - وإحسانه لعبادته، وزهادته في زينة الدنيا، وغلبه بيانُه المشرِق، وحكمته البالغة، وأقواله الجامعة، وعظاته التي تهزُّ القلوبَ، وتخلَّق في أخلاقه بالتقى والعبادة، ونسج على منواله في البيان والفصاحة، ولما بلغ الحسنُ أربعة عشر ربيعا من عمره، ودخل في مداخل الرجال، انتقل مع أبويه إلى البصرة، واستقرَّ فيها مع أسرته، ومِن هنا نُسِب الحسنُ إلى البصرة، وعُرِف بين الناس بالحسن البصري، والبصرة كانت يومئذ قلعةً من أكبر قلاع العلم في عالَم المسلمين، وكان مسجدُها العظيم يموج بمَن ارتحل إليها من كبار الصحابة، وجلَّة التابعين، وكانت حلقاتُ العلم على اختلاف ألوانها تعمر باحات المسجد ومُصَلاَّه، والآن مع تخلُّف المسلمين صار المسجد للصلوات فقط، وأحيانا تجد مسجدا طويلا عريضا، يُصَلَّى الظهر فيه بنصف صف، وفي الصبح بثمانية أشخاص، قال تعالى:

{فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا}

[سورة مريم الآية: 59]

إنّ الأبلغ من ذلك؛ أنّ المسجد كان له دور خطير، فكان المسجد موطِنًا للقضاء، وموطنًا للعلم، الآن أنا أتمنى أن يعود للمسجد دوره الخطير، يخرِّج علماءَ، ويخرِّج دعاةً، ويخرِّج حفَّاظ القرآن الكريم، وأنْ تُحلَّ المشكلات فيه، ويكون له رسالة واسعة جدًّا.

لزم الحسنُ البصري المسجد، وانقطع إلى حلقة عبد الله بن عباس حبر أمة محمد صلى الله عليه وسلم، وأخذ عنه التفسير، والحديث، والقراءات، كما أخذ عنه وعن غيره؛ الفقهَ واللغةَ والأدب وغيرها، حتى غدا عالما جامعا فقيها ثقةً، فأقبل الناس عليه ينهلون من علمه الغزير.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت