الصفحة 129 من 323

* من مواقف الحسن البصري:

مِن هذه المواقف البطولية؛ أنه بعد أن انتقل الخليفةُ الزاهد عمر بن عبد العزيز إلى جوار ربِّه، وآلت الخلافةُ إلى يزيد بن عبد الملك، ولَّى على العراق عمر بن هبيرة الفزاري، ثم زاده بسطةً في السلطان، فأضاف إليه خراسان أيضا، وسار يزيد سيرةً غير سيرة سلفه العظيم، فكان يرسل إلى عمر بن هبيرة بكتاب تلوَ الكتاب, يأمره بإنفاذ ما فيه، ولو كان مجافيا للحقِّ، أحيانا يزيد يرسل كتبا وأوامرَ وتوجيهات لواليه على البصرة و خراسان، هذه الأوامر مجافيةٌ للحق، أي فيها ظلم.

دعا عمرُ بن هبيرة كلاًّ من الحسن البصري وعامر بن شرحبيل المعروف بالشعبي، وقال لهما: إن أمير المؤمنين يزيد بن عبد الملك, قد استخلفه اللهُ على عباده، وأوجب طاعته على الناس، وقد ولَّاني ما ترون من أمر العراق، ثم زادني فولاَّني فارسا، وهو يرسل إليَّ أحيانا كتبا, يأمرني فيها بإنفاذ ما لا أطمئن إلى عدالته، فهل تجدان لي في متابعتي إياه، وإنفاذ أمره مخرجا في الدين؟.

فأجاب الشعبي جوابا فيه ملاطفة للخليفة ومسايرة للوالي، يا بن هبيرة, خفِ اللهَ في يزيد، ولا تخف يزيدَ في الله، واعلم أنّ الله يمنعك من يزيَد، وأنّ يزيدَ لا يمنعك من الله، يا بن هبيرة, إنه يوشك أن ينزل بك ملكُ غليظ شديد، لا يعصي اللهَ ما أمره، فيزيلُك عن سريرك، وينقلك من سَعة قصرك إلى ضيق قبرك، حيث لا تجد هناك يزيد، وإنما تجد عملك الذي خالفتَ فيه ربَّ يزيد، يا بن هبيرة, إنك إن تكُ مع الله تعالى في طاعته, يكفِك ضائقةَ يزيد في الدنيا والآخرة، وإنْ تكُ مع يزيد في معصية الله تعالى, فإنّ الله يكِلُك إلى يزيد، واعلم يا بن هبيرة, أنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، والحسن ساكت.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت