فالتفت عمرُ بن هبيرة إلى الحسن، وقال: (( وما تقول أنت يا أبا سعيد؟ فقال: يا بن هبيرة, فبكى ابن هبيرة حتى بلَّت دموعُه لحيته، ومال عن الشعبي, تركه إلى الحسن، وبالغ في إعظامه وإكرامه، فلما خرجا من عنده, توجَّها إلى المسجد، فاجتمع الناسُ عليهما، وجعلوا يسألونهما عن خبرَيْهِما مع أمير العراقين, فالتفت الشعبي إليهم, وقال:
أيها الناسُ من استطاع منكم أن يؤثر اللهَ عز وجل على خلقه في كل مقام فليفعل، فو الذي نفسي بيده, ما قال الحسنُ لعمر بن هبيرة: قولا أجهله, ولكنني أردتُ فيما قلت: وجهَ ابن هبيرة، وأراد فيما قاله: وجهَ الله، فأقصاني اللهُ من ابن هبيرة, وأدناه منه, وحبَّبه إليه، فمَن أرضى الناسَ بسخط الله, سخِط عنه اللهُ، وأسخطَ عنه الناسَ، ومَن أرضى اللهَ بسخط الناس, رضيَ عنه اللهُ، وأرضى عنه الناسَ )) .
ومن أقوال الحسن: (( إن مثل الدنيا والآخرة كمثل المشرق والمغرب، متى ازدَدْتَ من أحدهما قربا, ازدَدْتَ من الآخرة بعدا ) ).
وقال له أحدُهم: (( صِف لي هذه الدارَ, قال: ماذا أصف لك من دارٍ أولها عناء، وآخرها فناء، وفي حلالها حساب، وفي حرامها عقاب، مَن استغنى فيها فُتِن، ومَن افتقر فيها حزن؟ ) ).
وسأله آخر أيضا: (( ماذا فعلنا بأنفسنا؟ قال: لقد أهزلنا ديننا، وسمَّنا دنيانا، وأخلقنا أخلاقنا، وجدَّدنا فرشَنا وثيابنا، يتَّكئُ أحدنا على شماله، ويأكل من مالٍ غير ماله، طعامه غصبٌ، وخدمته سُخرة، يدعو بحلوٍ بعد حامض، وبحارٍّ بعد بارد، وبرطبٍ بعد يابس، حتى إذا أخذته القِظَّةُ تجشَّأ من البشم، ثم قال: يا غلام, هات هضوما يهضم الطعام، يا أُحَيْمق, واللهِ لن تهضم إلا دينك، أين جارُك المحتاج؟ أين يتيمُ قومك الجائع؟ أين مسكينُك الذي ينظر إليك؟ أين ما وصَّاك به اللهُ عزوجل؟ ليتك تعلم أنك عددٌ، وأنه كلما غابت عنك شمسٌ, نقص شيءٌ من عددك، ومضى بعضُه معك ) ).